Wednesday, January 28, 2015

أنا مش ضد الثورة (قصة قصيرة تحوَّلت إلى فيلم قصير).. الحلقة الخامسة و الأخيرة

استوقفت ( هالة ) ( هند) و هي تنظر إليها بنظرة فخر أو انتصار و هي تقول:
مش قلت لك إننا هنكسب و بقينا الأغلبية ؟! شفتِ اللي حصل في جمعة توحيد الصف؟!

اعتلى صوت ( هند) بعض الغضب البسيط ، و كأنَّها متهمة تدافع عن نفسها:
إنتم مين؟! متهيأ لي إن أنا و إنتِ مصريين و كذلك أنا و إنتِ  مسلمين .

استمرت ( هند) بلهجة الغضب المسيطر عليها ، و قد أحست ببعض اليأس و هي تراجع ما وصلت إليه حال مصر من التفريق الطائفي ، بشكل أحزنها ، و هي تقول :
 دلوقتي أقدر أقول لك إن إحباط الثورة أو الثورة المضادة نجحت ، في الأول سعوا  علشان يفرَّقوا بين المسلمين و المسيحيين و لمَّا لقيوا المصريين عندهم تسامح ، قالوا يفرَّقوا بين المسلمين و بعضهم بناء على الشكل.

بدت ابتسامة على وجه ( هالة) و هي تقول بلهجة فخر :
 لا ، الموضوع مش زي ما إنتِ متخيلة ، إنَّما على أي حال العبرة بصندوق الانتخابات ، هي  دي الديموقراطية اللي إنتِ عايزاها.

حاولت ( هند) أن ترسم ابتسامة ، خرجت بالرغم عنها باهتة و هي تقول بلهجة فيها من الأسى :
أنا بس مستغربة من جمعة توحيد الصف ، لمَّا الناس اللي كانت بتقول في البداية إنَّها مش هتخرج في مظاهرات مش عارفين القائد بتاعها ، و لمَّا الثورة نجحت حشدوا الناس علشان يقولوا لنا إن العبرة بصناديق الانتخابات.

بدت في لهجة ( هالة) الحدة و تساءلت بما رأته  منطقاً بسيطاً تحاول أن تدافع به عن توجهاتها :
إنتِ شايفة إن دا مش الشعب؟ إنتِ مش شايفة إن الناس دي حتى لو جهلة من وجهة نظرك من حقهم يكون لهم رأي؟

بدت في ملامح (هند) البساطة و براءة الأطفال و هي تقول بشكل تلقائي اختلط بالحماس :
أه ، طبعاً من حقهم يكون لهم وجهة نظر ، بس أنا مش عايزاهم ينساقوا ورا شعارات إنَّما لازم يكون فيه منهج واضح علشان يختاروه.

حاولت ( هالة) أن تتسم بالعقلانية ، و هي تسأل بشكل حماسي يحمل الرغبة في المعرفة ، و كأنَّها تنفي عن نفسها تهمة في قولها " و لعلمك أنا مش منهم" :
إنتِ مش شايفة إن كلامك فيه عدم تسامح مع المنتسبين للجماعات الإسلامية ؟ و لعلمك أنا مش منهم .

بدت في لهجة ( هند) التفهم و هي تقول بتوضيح لما تتمنى أن تصبح عليه مصر ، و بان الحماس في قولها " دا مش تجني عليهم" :
أنا شايفة إننا لمَّا نقول إنهم حتى لو مسكوا الحكم ، يا ريت يبقى فيه حياة ديموقراطية سليمة ، دا مش تجني عليهم.

حاولت (هند) أن تكتسب لهجة مرحة ، و هي تشير بإصبعها إلى جانب رأسها الأيمن علامة الرغبة في التذكير و الفهم ، اختلطت ببعض الأسى في تذكر المفكر المصري الراحل:
بس يا ريت و إنتِ بتتكلمي عن التسامح اللي مش حاسين به  من الغرب ، تفتكري  اغتيال المفكر المصري الدكتور فرج فودة ، الله يرحمه.

بدا على ملامح ( هالة) الحيرة ، و هي تتساءل  عن ذلك المفكر الذي ربما تجاهله البعض في رحلة التأريخ للمفكرين الإسلاميين:
مين دا؟

أوضحت (هند) بطريقة بسيطة و كأنَّها أستاذة مدرسية تحاول أن تشرح تلك الحقبة في التاريخ ، و ربما تقمَّصت دور المحامية عن المفكر بعد ما يقرب من 20 عاماً على رحيله عام 1992م:
دا شهيد الكلمة ، اللي كان(ت) كل جريمته من وجهة نظر الجماعات الإسلامية ، إنه تصدى لمناقشة فرضية الحجاب و عدم أحقية الدولة الدينية على حساب الدولة المدنية.

انتقلت (هالة) من الحيرة إلى الاهتمام و هي تقول :
طيب و إيه اللي حصل له؟

أجابت ( هند) و قد حاولت ألَّا تكتفي بمصير الدكتور ( فرج فودة) ، رحمه الله ، بل حاولت أن تلقي الضوء على هذه المرحلة :
تم اغتياله (اغتالوه) ، مش هو بس إنَّما كان فيه محاولة اغتيال للكاتب الكبير نجيب محفوظ ، الله يرحمه.

ارتدت إلى ( هند) روحها المرحة و هي تقول ، فرسمت ابتسامة على وجهها ، و حاولت أن تدغدغ ( هالة) ، إلَّا أنَّ ( هالة) تراجعت و أمسكت بكف (هند) بين كفيها:
و على فكرة يا قمر ، أنا كمان زيك نفسي إن الجماعات الإسلامية تكسب ، يمكن الناس تفهم فكرهم ، و يحوِّلوا لنا الشعارات لمبادئ نتعامل معاها و نناقشها.

ارتسمت ابتسامة على وجه ( هالة) و هي تحاول أن تبدي التفهم قائلة :
إنتِ أكيد بتقولي الكلام دا و حاطة عمرك على كفك ، ربنا يعينك.

همَّت ( هالة) بالمغادرة و هي تقول ل (هند) :
سلام مؤقت يا بنوتة.

***

يتم القطع بين مشهد فض الجيش لاعتصام التحرير في 1 أغسطس 2011 م، و مشهد تقديم الجيش لموائد رمضانية وسط ذهول على ملامح ( رامي) و (هند).
***

أنا مش ضد الثورة (قصة قصيرة تحوَّلت إلى فيلم قصير).. الحلقة الرابعة

جلست ( هند) تتابع بشغف ما يحدث على التلفاز من أحداث العباسية ، دخل إلى الصالة من باب الشقة ( رامي) الذي كان يُحاول أن يُخبرها بما يحدث في الخارج.

سألها ( رامي)  بلهجة قلق واضحة :
إنتِ إيه رأيك في اللي بيحصل دا؟

أجابته ( هند) بلهجة امتزجت فيها الحيرة مع القلق:
أنا بصراحة بقيت في حالة توهان.

استوضح ( رامي)  ما تُريد بلهفة متسائلاً:
من إيه يا هند؟

بدت الحيرة في عينيها و هي تُجيب بلهجة فيها من الحماس و القلق على مستقبل مصر و دهشتها و عجبها من التصرفات التي تراها غير متسقة من وجهة نظرها ، قائلة بقوة :
مش عارفة إيه اللي بيحصل!  مين اللي من مصلحته يعمل تهييج للشعب ضد المجلس العسكري بسبب خطاب اللواء ( محسن الفنجري) ؟ و إيه اللي يخلِّي الناس اللي عملت مظاهرات في 18 يوم ملتزمة بميدان التحرير تطلع قدام وزارة الدفاع؟

حاول ( رامي) أن يُجيب بحجته ، و قد رأى مشهداً قد يُغيِّر من عدم استقرار مشاعر (هند) و إحساسها بتغيُّر التركيبة البشرية قائلاً:
ما هو الناس طلعت قدام وزارة الداخلية في ال 18 يوم اللي فاتوا لحد الرئيس السابق ما أعلن نائبه تنحيه.

أبدت ( هند) وجهة نظرها و هي تقول بلهجة فيها من اليأس :
واضح إن التركيبة البشرية اللي موجودة في ميدان التحرير اتغيَّرت.

أظهر ( رامي) حيرته عند هذا الحد ، و هو يقول بلهجة تدل على أنَّه يشعر بالدهشة ممَّا يحدث في مصر ، مُحاولاً إيجاد تفسير منطقي لتلك المشاهد التي يراها من خلال التليفزيون أو في الشارع بعد الاحتكاك بالناس :
أنا كمان بقيت في حالة توهان يا هند ، مش عارف يعني الناس اللي انتهت فترة مظاهراتهم ، كانوا بيهتفوا " الجيش و الشعب يد واحدة" بعد خطاب اللواء ( محسن الفنجري) بقوا بيهتفوا " يسقط يسقط حكم العسكر".

أبدت ( هند) تعجبها و هي تقول بطريقة حملت البراءة على وجهها و التلقائية التي تعوَّدت أن تكون ملامحها كالأطفال متسائلة بحُرقة :
دا غير إنه ممكن يكون أبو الشهيد أو أمه اللي تصدَّى لهجوم قدام وزارة الداخلية ، باسم الاعتصام السلمي ، يكون وبَّخ ابنه أو بنته ، لمِّا كان عايز ينزل المظاهرات ، دلوقتي ابنه بقى بطل بيطالب له بالقصاص؟!

بدا التساؤل بالنسبة ل ( هند) بسيطاً ، لكنه حمل استنكاراً أو ربما رفضاً للمعنى المفهوم بالفطرة ، و هي تقول:
هو معنى إني قلت " لا" في الاستفتاء ، إني ضد المجلس العسكري ، أو ضد الجماعات الدينية؟!

حاول ( رامي) تهدئتها بالتربيت على كتفها بحنان ، و هو يقول بشكل غلب عليه العقلانية و المنطقية من وجهة نظره التي تقتبس من التاريخ ، و هو يوضح بلهجة حماس:
أنا في رأيي إننا قبل الدستور ، محتاجين مروءة تطبيق الدستور ، يعني عندنا دستور 1954م ممكن نعيد تفعيله ، شارك في إعداده الدكتور (طه حسين) من ضمن 50 شخصية فكرية.

بدت في عيني ( هند) براءة طفولية و هي تقول بشكل توضيحي حاولت من خلاله التظاهر  و كأنَّها مُدرسة التاريخ التي تعبِّر لتلاميذها عن خشية المستقبل من خلال دراسة الماضي :
المسألة حالياً مش مسألة دستور ، المسألة إننا عايزين ديموقراطية حقيقية ، أنا خايفة الجيش يعمل زي الجيش الفرنسي من 3 قرون (222 سنة) ، لمَّا كانت كل مطالب الناس محاكمة فلان و إعدام علان ، في الآخر و بعد 10 سنين مسكها نابليون بونابرت كحاكم عسكري.

هزَّ ( رامي) رأسه باقتناع  و هو يقول بلهجة التصديق على كلامها " عندك حق" ، و بالحماس في بقية الجملة التي حاول فيها استرجاع صور الماضي القريب الذي كان الناس يتعاملون فيه بتلقائية و بساطة و احترام بدون تمييز طائفي و بجدية في العمل :
عندك حق ، محتاجين  إنه يبقى فيه نشاط حزبي ، و إن كل المصريين يحطوا إيديهم في إيدين بعض ،  و نقرَّر إننا عايزين الأخلاق ترجع تاني و عايزين ما نحكمش على بعض إننا عملاء أو خاينين لو اختلفنا في الرأي ، و ما يبقاش فيه تمييز طائفي.

عبَّرت ( هند) عن جيلها و أشارت بإصبعها الإبهام كأنَّها علامة موافقة على موقع الفيس بوك ، و هي تقول بلهجة مزجت بين الحماس و الوطنية :
باختصار ، عايزين مصر الجديدة بالمعاني القديمة من الأخلاق و التلقائية و البساطة ، عايزين نرجع يبقى عندنا إنتاجية ، عايزين أحلامنا تبقى في إيدينا.

بدا على ( رامي) ابتسامة ترحاب و سعة صدر ، و هو يحكي لأخته تلك القصة التي أعجبته من تلك المسرحية القديمة نسبياً ، لكنَّها تحاول تلخيص ما يراه قد أصبح واقعاً ، قائلاً ببساطة و تلقائية و هدوء :
أه ، فعلاً كان فيه مسرحية قديمة اسمها " جحا يحكم المدينة " تأليف وحيد حامد و بطولة سمير غانم قبل ثورة 25 يناير 2011م بكتير ، مفادها إننا لازم نشتغل علشان مطالبنا ما تبقاش في إيد حد تاني.

بدا على وجه ( هند) الجدية و الحماس و هي تقول بشكل ليس فيه تحامل على أحد ، لكنَّها تشعر بالألم من تحويل مسار قضية حرية الوطن الذي دافع عنها مسلمون و مسيحيون على اختلاف انتماءاتهم ، و كذلك تُريد ممن يُشيع الأخبار أن يتحرى الصدق و الدقة :
 أنا بصراحة نفسي القضايا ما تتحوِّلش عن مسارها ، يعني مثلاً الشهيدة ( سالي زهران) الله يرحمها ، خرجت تدافع عن حرية الوطن ، بس واضح إن فيه ناس كتير نسيت معنى الحرية ، و علشان كدا كل اللي فرق معاهم هو إن الصورة من غير حجاب ، و أشاعوا على الفيس بوك إنَّها اتحجِّبت قبل الشهادة.

بدت على وجه ( رامي) ملامح الاعتذار ، ربما لحساسية القضية لأشخاص ليسوا معهم في بيتهم ، لكنَّه يخشى أن يتم نقل الكلام بصورة مختلفة ، و هو يقول :
لازم الناس تفهم إننا مش ضد حرية حد ، إنَّما أنا متخيل إنك بتتخيَّلي نفسك مكانها ، و كان ممكن تزعلي من فكرة إن القضية ضاعت.

أومأت ( هند) برأسها بالموافقة و هي تقول بتأكيد و لهجة واثقة :
بالضبط ، قضية الحرية.

***

لقطة أرشيفية لاحتشاد  أنصار الجماعات الإسلامية بميدان التحرير يرفعون شعارات، في جمعة توحيد الصف 29 يوليو 2011م، لم يتم رفعها منذ بداية الثورة و كأنَّه استعراض قوة على حسب وصف البعض.

***


Tuesday, January 27, 2015

أنا مش ضد الثورة (قصة قصيرة تحوَّلت إلى فيلم قصير).. الحلقة الثالثة

جلست ( هالة) تشاهد فيديو بحالة من نشوة النصر و كأنَّها تُريد أن تُثبت ل ( هند) صحة نظريتها  للشيخ ( محمد حسين يعقوب) بعنوان "غزوة الصناديق".
***

جلست ( هند) في وضع استرخاء تشاهد التليفزيون و قد تملَّكها الضحك بشكل هيستيري ، مما  لفت انتباه أخيها ( رامي) .

فسألها بابتسامة  عريضة تدل على استبيان ما يُريد أن يعرفه منها :
إيه اللي بيضحَّكك للدرجة دي يا هند؟ يا رب يكون خير ، أتمنى أشوفك مرحة دايماً كدا.

اعتدلت ( هند) في جلستها و هي تشرح لأخيها  سبب ضحكها  قائلة  ببساطة و تلقائية و هدوء:
أصلي سمعت نكتين عن طريق التليفزيون ، و من ساعتها مش قادرة أمسك نفسي من الضحك.

رأت على وجه ( رامي) الحيرة ، فاستمرت تقول بشكل توضيحي:
هما بصراحة مش نكتتين ، اللي قالهم كان  بيتكلِّم جد.

استوضح ( رامي) سائلاً بابتسامته البسيطة :
 و يا ترى إيه النكتتين ؟!

بدأت ( هند) تشرح ببطء ، و هي تحاول منع الضحك عن نفسها ، حتى تستطيع إكمال الجدية و اكتسب صوتها الجدية بالتدريج و هي تقول :
الأولى بتقول لك إن الدولة المدنية ضد الدين و إن مع الدولة المدنية هيمنعوا الصلاة و الأدان و الحجاب و لمَّا لقيوا نسبة تسامح من المصريين ، قالوا إنها هتسمح بجواز الشواذ!

بدا على ( رامي) التفهم و هو يقول بشكل بسيط و تلقائي لم يخلُ من الدهشة و هو يستعرض معلوماته البسيطة :
مع إن الدولة المدنية بدأت في أوروبا للتخلص من كهنوت الدين ، يعني لمَّا حاولوا يخلُّوا جاليليو العالم الكبير يا إما يتوب أو يُهدر دمه .

لم تفارق ( رامي)  ابتسامته ، و هو يقول بشكل بسيط ، لم يقصد منه أن يستعجلها إلَّا أنَّه خرج على هذا النحو بالنسبة ل ( هند) :
من غير الخوض في تفاصيل النكتة الأولى ، كنت عايز أعرف منك إيه هي النكتة التانية يمكن أضحك  معاكِ؟

التزمت ( هند) الهدوء و الابتسام و هي تحكي عن النكتة الثانية التي أضحكتها بهذا الشكل الهيستيري قائلة :
التانية بتقول لك إن لو الناس راحت تقول " نعم" في الاستفتاء ، دا ممكن يخلي الجيش يرجع لمواقعه العسكرية.

ثم رأت ( هند) أن التوضيح واجب ، فاكتسب صوتها نبرة الحماس و هي توضِّح  ل ( رامي)  و هي تقول بعد أن نظرت إلى عينيه بثبات :
ناسيين إن علشان الجيش يرجع ، محتاجين الشرطة ترجع بشكل محترم و مختلف  يكون عند حسن ظن الناس و يثبت لهم إن رغبتهم في الانتقام مش في محلها.

صدَّق ( رامي) على كلام ( هند) و قال بلهجة حاول أن تكون مرحة لكنَّها اكتسبت الجدية :
عندك حق ،  عودة الثقة بين الشرطة و الشعب محتاجة وقت ، و لا ينفع إن الجيش يسيب حماية الناس لحد ما الشرطة ترجع بشكل مختلف.

أمسك ( رامي) بيد أخته بحنان و هو يسأل أخته بحالة وصلت إلى التناغم :
إنتِ  إيه رأيك في الناس اللي خايفة من مصير الثورة الفرنسية؟

طفت روح المرح إلى (هند) و هي تُخرج لسانها بشكل لطيف و غمزت قائلة :
أنا بصراحة خايفة أكتر من مصير ثورة 1952 م العسكرية .

استرسلت ( هند) بشكل لطيف و هي تستعرض الحالة التاريخية التي تخاف من الوقوع  في تبعاتها  قائلة بحالة تناغم :
يعني اللي يعرف التاريخ هيلاقي إن فتح قضايا الكسب غير المشروع الأول بيفكَّرنا ، بثورة يوليو اللي طلعت بهدف إقامة حياة  ديموقراطية سليمة.

بدا ( رامي) على الخط نفسه و هو يبدي حالة التناغم بينه و بين أخته و هو يُكمل ما قالته :
و بعدين ألغت الأحزاب ، و قالت إننا في احتياج إلى إصلاح زراعي بالاستيلاء على كل ما يزيد عن 200 فدان.

اكتسبت نبرة صوت ( هند) الحماس و هي تقول بطريقة مرحة و هي تُكمل ما يقوله (رامي) باستمرار حالة التناغم:
دا غير إن أي حد معاه أكتر من 5 آلاف جنيه في البنك اعتبروه عدو الشعب.

استمر التناغم من ( رامي) و كأنَّه يستقي السياق من عينيها و يُكمل ما أرادت أن تقوله ، ثم بدت عليه نظرة ماكرة في استفهامه :
و كل يوم كانوا بيسمعوا عن تأميم شركة أو مصنع  ، بس عايزة توصلي لإيه؟!

أبرزت ( هند) هدفها من تلك القصة و هي تقول بلهجة ملؤها التفاؤل و البهجة ، و قد امتلأت عيناها بالمرح و الحياة :
عايزة أوصل إن لمَّا الناس ركِّزت على همومنا الاقتصادية ، الحياة الحزبية انتهت لمدة حوالي 59 سنة ، فاحتجنا للثورة دي.

تسلَّل الخوف إلى لهجة ( هند) و هي تقول بترقب و قد اختفى المرح بشكل جزئي :
نتمنى الموضوع ما يوصلش لدرجة إننا نحتاج ثورة تانية في وقت قريب.
***



أنا مش ضد الثورة (قصة قصيرة تحوَّلت إلى فيلم قصير).. الحلقة الثانية

يوم 12 فبراير 2011م ، بعد سماع خطاب نائب الرئيس بيوم و هو يُعلن أنَّ الرئيس قد أعلن تخليه عن منصب رئيس الجمهورية.

طار (حسام) من على الأرض فرحاً و هو يقول ل ( رامي)  بلهجة نشوة :
شفت بقى يا ( رامي)؟ مش قلت لك إن الثورة هتنجح؟ كان لازم تصدَّقني لمَّا قلت لك إننا هنتظاهر و هنفضل في الميدان لحد الثورة ما تنجح.

بدت الفرحة على وجه (رامي)  أيضاً ، فقد كان يتوقع نجاح الثورة منذ يوم 25 يناير ، و لكنه كان يخشى ما يمكن أن يحدث من فوضى باسم الحرية قائلاً:
أنا مش ضد الثورة علشان أكون مش متأكد إن الثورة مش هتنجح أو أزعل لمَّا تنجح ، كل الفكرة إني خايف .

سأله ( حسام) بلهجة استيضاح و شغف  قائلاً بصوت يبدو عليه اللهفة:
خايف من إيه إن شاء الله؟ الثورة نجحت و الرئيس مبارك تخلى عن منصبه و الناس عرفت الشعب ممكن يعمل إيه!

ابتسم ( رامي) و هو يُجيب  بلهجة هدوء قائلاً بسعة صدر و إيضاح و تبدو على ( حسام) علامات الاستماع إلى صديقه :
يا حبيبي أنا مش خايف من الحاكم أو المجموعة الحاكمة ، أنا خايف من خلط الفوضى بالحرية ، اللي يجي في وشك بالعربية في الاتجاه المُعاكس و بيعرَّض حياته و حياة غيره للخطر و لمَّا ربنا يسلِّم يقول لك " أنا حر".

اكتسب صوت ( رامي) لهجة حماسية و قد اندمح في الاسترسال  و هو يستخدم يديه في الشرح كانَّه أستاذ جامعي لا يجد الفلاح من تلاميذه :
لمَّا واحد يكسر إشارة المرور أو يرمي الزبالة في الشارع و يقول لك " أنا حر" ، لمَّا أي سواق مايكروباص يكسر عليه حد ينزل يتخانق و معاه سلاح أبيض و الناس تحاول تمنعه يقتل الطرف التاني.

حاول ( حسام) امتصاص غضب صديقه و هو يقول في تفهم و إدراك :
أنا فاهم إنك مش عايز كمان الناس اللي ما طلعتش المظاهرات تشتري أمنها و اقتصادها بسبب التهديد بالانهيار الاقتصادي بالمقايضة مع السياسة.

بدا في لهجة ( رامي) الحنين و الغيرة على الوطن و قد انتفض واقفاً من جلسته على الأريكة  و هو يقول بحماس :
أنا فعلاً نفسي إن الناس تتجه للبناء و تبدأ تكوِّن أحزاب سياسية  بدل الأحزاب السياسية الديكور ، و تقدر تخلص من الحياة السياسية الراكدة.

مطَّ ( حسام) شفتيه مُعتبراً ذلك أمراً طبيعياً و هو يقول بلهجة هادئة :
 طبيعي ، دا المطلب الأول لثورة 25 يناير.

بدا على كلام ( رامي) العقلانية و هو يقول بلهجة إشفاق على ما قد تئول إليه مصر :
أنا خايف إن المطلب دا يضيع بسبب خلط السياسة بالدين و هيطلع ناس تقول لهم انتخبوا فلان علشان هيدافع عن الدين.

بدا كلام ( حسام) مطمئناً و هو يقول له بلهجة حنان :
 ما تقلقش ، تاريخ مصر بيقول إن مصر طول عمرها بتدافع عن الوسطية من ساعة ما طلعنا فيها و عندها حضارة حتى لو مش باينة في الثقافة ، أكيد هتبان وقت اللزوم.

نظر ( رامي) إلى ساعته و قال بلهجة اعتذار و استئذان ، و هو يتجه إلى باب الشقة :
طيب ، أنا آسف إني سهَّرتك ، يا دوب ألحق أروَّح البيت علشان هند مستنية و مش متعوِّدة مني التأخير.

و همَّ بالخروج.
***
جلست ( هالة ) الفتاة المحجبة تشاهد فيديو للشيخ( محمد حسين يعقوب) يتغزَّل في فرضية الحجاب بعنوان "مش مقتنعة بالحجاب".
***

وجدت ( هند) طابوراً طويلاً من المصريين الذين أحبوا التعبير عن رأيهم ، و هو ما أسعدها كثيراً.

تقف إلى جوارها في الطابور فتاة محجبة ( هالة) ، نظرت إليها بتفحص قبل أن تقول بلهجة بدت ل(هالة) تلقائية ، في حين بدت ل(هند) فيها نوع من التجريح:
إنتِ مسيحية؟

أجابت (هند) بطريقة تلقائية غلب عليها الارتباك و كأنَّها تدفع عن نفسها تهمة قائلة :
لا ، مسلمة.

ثم خشيت أن تكون في إجابتها إهانة لأي مسيحية في الطابور ، فاستدركت قائلة :
بس دا مش معناه إني لا أحترم المسيحيين.

تنحنحت ( هالة) و بدا في صوتها لهجة اعتذار و قد وضعت يدها على كتف ( هند) و كأنَّها تُحاول ضمها إلى جماعة معينة  رغم عدم انتماء (هالة) لأي منها ، و هي تقول :
أصل كل الحكاية إنك مش محجبة ، و إحنا بقينا أغلبية ، و نتمنى من الله إنه يهديكِ و تنضمي لنا.

اكتفت ( هند) برسم ابتسامة تبدو مصطنعة ، و هي تقول :
إن شاء الله ، ربنا يزيدكم.

تنحنحت ( هالة) و هي تُحاول معرفة ما تنتويه ( هند)  سائلة و  لا يزال الطابور يتحرك بسرعة معقولة :
إنتِ هتقولي " نعم" و اللا " لا" في الاستفتاء ؟

استطردت ( هالة)  محاولة توضيح وجهة نظرها  بشكل هادئ  هذه المرة  و هي تقول :
 أصل كل الإسلاميين متفقين إنهم هيقولوا " نعم".

ابتسمت ( هند) و هي تقول بشكل بسيط مُحاولة استيعاب ذلك الفيض من الدردشة الذي طالما حلمت به كتواصل اجتماعي :
مع احترامي للإسلاميين ، بس أنا عايزة أقول " لا" في الاستفتاء ، مش لأني خايفة أي جماعة تحكم مصر ، لكن أنا شايفة ، من وجهة نظري ، إن التعديلات شكلية.

بدا الاحتقان في لهجة ( هالة) التي حاولت الحفاظ على لهجتها الهادئة و هي تقول  بانفعال بسيط :
 أه ، طبعاً إنتِ عايزة تقولي " لا" في الاستفتاء ، علشان الإخوان المسلمين ما يمسكوش البلد ، و لو الإخوان مسكوا البلد إنتِ هتتحجبي.

ثم سألت (هالة) ل (هند) جارتها في الطابور و هي تقول بلهجة بدت للأولى تلقائية و خالية من أي تعقيد :
ليه مش عايزة تتحجبي؟

بدا على ( هند) و خافت أن يكون في ردها احتقار لأي محجبة في الطابور ، فنظرت أمامها و خلفها ، قبل أن تقول بلهجة هادئة و تبدو (هالة) متفرجة لأنها تتوقع استرسال (هند) و يبدو على وجهها علامات الاستماع الدقيق :
مع كامل احترامي لقناعاتك الدينية ، إنَّما تسمحي لي أسألك سؤال تقريري ، مش عايزة منك تجاوبيني عليه ، ليه حتى لو الإخوان المسلمين فازوا في الانتخابات الرئاسية مكتوب علينا إننا نخرج من حياة سياسية و حزبية كانت مشلولة  لحياة حزبية مشلولة تانية؟!

التقطت (هند) نفساً عميقاً و تنهدت قبل أن تقول بشكل هادئ مستطردة ، حاولت ( هالة) امتصاص طاقة الحماس أو استيعابها ، فأنصتت باهتمام بدا على وجهها لوجهة نظر (هند) :
و بعدين إيه علاقة إني مش محجبة بإن الرئيس اللي هيُنتخب يُنتخب لفترتين على أقصى تقدير أو إن كل فترة تكون أربع سنين أو إلغاء قانون الطوارئ و بقية التعديلات؟!

استمرت ( هند) في انفعالها المتحمس و هي تحاول أن تلتزم الهدوء في قولها ، لكنَّها بدت كأستاذة في مدرسة ، لديها طاقة الاسترسال دون أن تنتظر جواباً من الطرف الآخر ،الذي بدا صامتاً كما يكون الطلاب في مدارسنا حريصين على عدم مقاطعة الأستاذ :
دا غير إن القرآن اللي حضرتك ممكن تكوني حافظاه أكتر مني ، ربنا بيقول فيه ، بسم الله الرحمن الرحيم ( إنَّا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان إنَّه كان ظلوماً جهولاً) صدق الله العظيم .

استرسلت ( هند) بحماسها و هي تُحاول شرح موقفها من أي جماعة ، و أنَّ لها حق الاختيار و احتفظت بلهجتها الهادئة و هي تقول :
 يعني المجال لمَّا يكون مفتوح للاختيار ، ما يكونش فيه عصيان ، و لامعناه إننا لو قلنا " لا" نبقى ضد جماعة دينية أو ضد المجلس العسكري.

نطقت (هالة) بعد صمت طويل بابتسامة جميلة ، تعبِّر عن هدوء و هي تقول بشكل  واثق و هي تضغط على كلمة "مهما كانت" و قد اقتربت اللجنة  :
من حقك أكيد تختاري ، بكرة نتقابل إن شاء الله  و العبرة بالنتيجة ، و لازم نحترم النتيجة .. مهما كانت.

و همَّت كل واحدة منهما على دخول اللجنة.
 ***