كان ردنا في المقال السابق http://www.january-25.org/ireport_details.aspx?k=353 على الشيخ ( أبو إسحاق الحويني) نتيجة فيديو ، شاهدته عن ما ظنَّه علماً ، على حسب قوله ، بأنَّه يرى تحريم الاختلاط إلا إن كانت الدولة على استعداد لإعداد مواصلات خاصة بالنساء ، و كليات خاصة لهن ، عندما جاءته إحدى السيدات والدة فتاة في كلية الصيدلة تبكي ، بسبب أنَّ الفتاة عندما سمعت فتواه قرَّرت عدم الذهاب إلى الجامعة و الامتناع عن كلية الصيدلة.
و سأورد في مقالي هذا ، إن شاء الله ، بعض ما حكاه القرآن عن ملكة سبأ التي لم يجرِّم القرآن ملكها للرجال ، كما يدعي البعض ، بل إنَّ الحقيقة التي اعترض عليها الهدهد هي عدم إعمال العقل ، و كأنَّهم إن استخدموا عقولهم سيصلون إلى حقيقة التوحيد ، بسم الله الرحمن الرحيم (فمكث غير بعيد فقال أحطتُ بما لم تُحط به و جئتك من سبأ بنبأ يقين * إني وجدتُ امرأة تملكهم و أوتيت من كل شيء و لها عرش عظيم * وجدتُها و قومها يسجدون للشمس من دون الله و زين لهم الشيطان أعمالهم و صدَّهم عن السبيل فهم لا يهتدون * ألا يسجدوا لله الذي يُخرج الخبء في السماوات و الأرض و يعلم ما تُخفون و ما تُعلنون* الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم)صدق الله العظيم سورة النمل الآيات 22-26 .
إنَّ القرآن قد ميَّز لنا بين فرعون الحاكم الذي لم يستقم حتى مع بيان الأدلة و المعجزات و بين ملكة سبأ التي حتى و إن لم تتفق مع الرسول (سليمان) في المنهج لم تؤمن باستخدام العنف و لذلك هداها الله ، و قد أخطأ الفقهاء ، في رأيي البسيط ، حينما ظنوا أنَّ قوم( لوط) أُهلكوا لمعصيتهم ؛ لأنَّ ما اكتشفه طب النفس الحديث أنَّ الشذوذ هو مرض انحراف جنسي ، و ما دام مرضاً فهو يحتاج إلى علاج و ليس إلى عقاب ، و قد فتَّش الفقهاء عن حد أو عقاب في القرآن للشذوذ فلم يجدوا ، و إنَّما أُهلكوا لرغبتهم في حماية المعصية بقوتهم و عدم التنازل عنها .
وعلى المتأمل في القرآن أن يُكمل قصة ملكة سبأ ، لكن ما يعنيني الآن هو الدفاع عن أنَّنا لا نريد للتدين التعويضي أن يحل علينا ، و لا نريد للعنف أن يتغلغل و علينا أن نتذكر أنَّ قوم سيدنا ( إبراهيم) عندما وضعوه في النار كان ذلك بدافع من تدينهم التعويضي " قالوا حرِّقوه و انصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين" .
لماذا يظن السلفيون أنَّ تقدم هذه الأمة يكون بالدعوة إلى العيش في الماضي أو بالمزايدة حتى على الرسول و الدين؟!
لقد أورد الله لنا بعض السياقات التي سنعرضها لنتبيَّن الجدل حول مسألة الزينة مثلاً ، مع دعوته ليتلو عليهم ما حرَّم ربهم .
1) بسم الله الرحمن الرحيم ( قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نُفصِّل الآيات لقوم يعلمون) صدق الله العظيم سورة الأعراف الآية 32.
2) بسم الله الرحمن الرحيم (قل تعالوا أتل ما حرَّم ربكم عليكم ألَّا تشركوا به شيئاً و بالوالدين إحساناً و لا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم و إياهم و لا تقربوا الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و لا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون * و لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلُغ أشده و أوفوا الكيل و الميزان بالقسط لا نُكلِّف نفساً إلا وسعها و إذا قلتم فاعدلوا و لو كان ذا قربى و بعد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون * و أنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه و لا تتبِّعوا السبل فتفرَّق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) صدق الله العظيم.، سورة الأنعام الآيات 151-153
و كلمة " إملاق" هنا بمعنى "فقر".
و العجيب هنا و استوقفني أنَّ الله يتحدث عن " السبل " حتى في أيام الرسول الذي هو من المفترض أن ينقل لهم الدين كما وصَّاه به الله.
تٌرى هل نظل نُزايد على ديننا و نطرح قضايا ليست من الدين أو على أقل تقدير ، حسب وصفهم ، خلافية ؟ أم نتفرغ إلى توحيد الصف و عدم تفرقة المسلمين و أبناء المجتمع الواحد؟