يوم 12 فبراير 2011م ، بعد سماع خطاب نائب الرئيس
بيوم و هو يُعلن أنَّ الرئيس قد أعلن تخليه عن منصب رئيس الجمهورية.
طار (حسام) من على الأرض
فرحاً و هو يقول ل ( رامي) بلهجة نشوة :
- شفت بقى يا ( رامي)؟ مش
قلت لك إن الثورة هتنجح؟ كان لازم تصدَّقني لمَّا قلت لك إننا هنتظاهر و هنفضل في
الميدان لحد الثورة ما تنجح.
بدت الفرحة على وجه
(رامي) أيضاً ، فقد كان يتوقع نجاح الثورة
منذ يوم 25 يناير ، و لكنه كان يخشى ما يمكن أن يحدث من فوضى باسم الحرية قائلاً:
- أنا مش ضد الثورة علشان
أكون مش متأكد إن الثورة مش هتنجح أو أزعل لمَّا تنجح ، كل الفكرة إني خايف .
سأله ( حسام) بلهجة
استيضاح و شغف قائلاً بصوت يبدو عليه
اللهفة:
- خايف من إيه إن شاء الله؟
الثورة نجحت و الرئيس مبارك تخلى عن منصبه و الناس عرفت الشعب ممكن يعمل إيه!
ابتسم ( رامي) و هو
يُجيب بلهجة هدوء قائلاً بسعة صدر و إيضاح
و تبدو على ( حسام) علامات الاستماع إلى صديقه :
- يا حبيبي أنا مش خايف من
الحاكم أو المجموعة الحاكمة ، أنا خايف من خلط الفوضى بالحرية ، اللي يجي في وشك
بالعربية في الاتجاه المُعاكس و بيعرَّض حياته و حياة غيره للخطر و لمَّا ربنا
يسلِّم يقول لك " أنا حر".
اكتسب صوت ( رامي) لهجة
حماسية و قد اندمح في الاسترسال و هو
يستخدم يديه في الشرح كانَّه أستاذ جامعي لا يجد الفلاح من تلاميذه :
- لمَّا واحد يكسر إشارة
المرور أو يرمي الزبالة في الشارع و يقول لك " أنا حر" ، لمَّا أي سواق
مايكروباص يكسر عليه حد ينزل يتخانق و معاه سلاح أبيض و الناس تحاول تمنعه يقتل
الطرف التاني.
حاول ( حسام) امتصاص غضب
صديقه و هو يقول في تفهم و إدراك :
- أنا فاهم إنك مش عايز
كمان الناس اللي ما طلعتش المظاهرات تشتري أمنها و اقتصادها بسبب التهديد
بالانهيار الاقتصادي بالمقايضة مع السياسة.
بدا في لهجة ( رامي)
الحنين و الغيرة على الوطن و قد انتفض واقفاً من جلسته على الأريكة و هو يقول بحماس :
- أنا فعلاً نفسي إن الناس
تتجه للبناء و تبدأ تكوِّن أحزاب سياسية
بدل الأحزاب السياسية الديكور ، و تقدر تخلص من الحياة السياسية الراكدة.
مطَّ ( حسام) شفتيه
مُعتبراً ذلك أمراً طبيعياً و هو يقول بلهجة هادئة :
- طبيعي ، دا المطلب الأول
لثورة 25 يناير.
بدا على كلام ( رامي)
العقلانية و هو يقول بلهجة إشفاق على ما قد تئول إليه مصر :
- أنا خايف إن المطلب دا
يضيع بسبب خلط السياسة بالدين و هيطلع ناس تقول لهم انتخبوا فلان علشان هيدافع عن
الدين.
بدا كلام ( حسام) مطمئناً
و هو يقول له بلهجة حنان :
- ما تقلقش ، تاريخ مصر
بيقول إن مصر طول عمرها بتدافع عن الوسطية من ساعة ما طلعنا فيها و عندها حضارة
حتى لو مش باينة في الثقافة ، أكيد هتبان وقت اللزوم.
نظر ( رامي) إلى ساعته و
قال بلهجة اعتذار و استئذان ، و هو يتجه إلى باب الشقة :
- طيب ، أنا آسف إني
سهَّرتك ، يا دوب ألحق أروَّح البيت علشان هند مستنية و مش متعوِّدة مني التأخير.
و همَّ بالخروج.
***
جلست ( هالة ) الفتاة
المحجبة تشاهد فيديو للشيخ( محمد حسين يعقوب) يتغزَّل في فرضية
الحجاب بعنوان "مش مقتنعة بالحجاب".
***
وجدت ( هند) طابوراً
طويلاً من المصريين الذين أحبوا التعبير عن رأيهم ، و هو ما أسعدها كثيراً.
تقف إلى جوارها في
الطابور فتاة محجبة ( هالة) ، نظرت إليها بتفحص قبل أن تقول بلهجة بدت ل(هالة)
تلقائية ، في حين بدت ل(هند) فيها نوع من التجريح:
- إنتِ مسيحية؟
أجابت (هند) بطريقة
تلقائية غلب عليها الارتباك و كأنَّها تدفع عن نفسها تهمة قائلة :
- لا ، مسلمة.
ثم خشيت أن تكون في
إجابتها إهانة لأي مسيحية في الطابور ، فاستدركت قائلة :
- بس دا مش معناه إني لا
أحترم المسيحيين.
تنحنحت ( هالة) و بدا في
صوتها لهجة اعتذار و قد وضعت يدها على كتف ( هند) و كأنَّها تُحاول ضمها إلى جماعة
معينة رغم عدم انتماء (هالة) لأي منها ، و
هي تقول :
- أصل كل الحكاية إنك مش
محجبة ، و إحنا بقينا أغلبية ، و نتمنى من الله إنه يهديكِ و تنضمي لنا.
اكتفت ( هند) برسم ابتسامة
تبدو مصطنعة ، و هي تقول :
- إن شاء الله ، ربنا
يزيدكم.
تنحنحت ( هالة) و هي
تُحاول معرفة ما تنتويه ( هند) سائلة
و لا يزال الطابور يتحرك بسرعة معقولة :
- إنتِ هتقولي "
نعم" و اللا " لا" في الاستفتاء ؟
استطردت ( هالة) محاولة توضيح وجهة نظرها بشكل هادئ
هذه المرة و هي تقول :
- أصل كل الإسلاميين متفقين
إنهم هيقولوا " نعم".
ابتسمت ( هند) و هي تقول
بشكل بسيط مُحاولة استيعاب ذلك الفيض من الدردشة الذي طالما حلمت به كتواصل
اجتماعي :
- مع احترامي للإسلاميين ،
بس أنا عايزة أقول " لا" في الاستفتاء ، مش لأني خايفة أي جماعة تحكم
مصر ، لكن أنا شايفة ، من وجهة نظري ، إن التعديلات شكلية.
بدا الاحتقان في لهجة (
هالة) التي حاولت الحفاظ على لهجتها الهادئة و هي تقول بانفعال بسيط :
- أه ، طبعاً إنتِ عايزة
تقولي " لا" في الاستفتاء ، علشان الإخوان المسلمين ما يمسكوش البلد ، و
لو الإخوان مسكوا البلد إنتِ هتتحجبي.
ثم سألت (هالة) ل (هند)
جارتها في الطابور و هي تقول بلهجة بدت للأولى تلقائية و خالية من أي تعقيد :
- ليه مش عايزة تتحجبي؟
بدا على ( هند) و خافت أن
يكون في ردها احتقار لأي محجبة في الطابور ، فنظرت أمامها و خلفها ، قبل أن تقول
بلهجة هادئة و تبدو (هالة) متفرجة لأنها تتوقع استرسال (هند) و يبدو على وجهها
علامات الاستماع الدقيق :
- مع كامل احترامي لقناعاتك
الدينية ، إنَّما تسمحي لي أسألك سؤال تقريري ، مش عايزة منك تجاوبيني عليه ، ليه
حتى لو الإخوان المسلمين فازوا في الانتخابات الرئاسية مكتوب علينا إننا نخرج من
حياة سياسية و حزبية كانت مشلولة لحياة
حزبية مشلولة تانية؟!
التقطت (هند) نفساً
عميقاً و تنهدت قبل أن تقول بشكل هادئ مستطردة ، حاولت ( هالة) امتصاص طاقة الحماس
أو استيعابها ، فأنصتت باهتمام بدا على وجهها لوجهة نظر (هند) :
- و بعدين إيه علاقة إني مش
محجبة بإن الرئيس اللي هيُنتخب يُنتخب لفترتين على أقصى تقدير أو إن كل فترة تكون
أربع سنين أو إلغاء قانون الطوارئ و بقية التعديلات؟!
استمرت ( هند) في
انفعالها المتحمس و هي تحاول أن تلتزم الهدوء في قولها ، لكنَّها بدت كأستاذة في
مدرسة ، لديها طاقة الاسترسال دون أن تنتظر جواباً من الطرف الآخر ،الذي بدا
صامتاً كما يكون الطلاب في مدارسنا حريصين على عدم مقاطعة الأستاذ :
- دا غير إن القرآن اللي
حضرتك ممكن تكوني حافظاه أكتر مني ، ربنا بيقول فيه ، بسم الله الرحمن الرحيم (
إنَّا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها
و حملها الإنسان إنَّه كان ظلوماً جهولاً) صدق الله العظيم .
استرسلت ( هند) بحماسها و هي تُحاول شرح موقفها من أي
جماعة ، و أنَّ لها حق الاختيار و احتفظت بلهجتها الهادئة و هي تقول :
- يعني المجال لمَّا يكون
مفتوح للاختيار ، ما يكونش فيه عصيان ، و لامعناه إننا لو قلنا " لا"
نبقى ضد جماعة دينية أو ضد المجلس العسكري.
نطقت (هالة) بعد صمت طويل
بابتسامة جميلة ، تعبِّر عن هدوء و هي تقول بشكل
واثق و هي تضغط على كلمة "مهما كانت" و قد اقتربت اللجنة :
- من حقك أكيد تختاري ،
بكرة نتقابل إن شاء الله و العبرة
بالنتيجة ، و لازم نحترم النتيجة .. مهما كانت.
و همَّت كل واحدة منهما على دخول اللجنة.
***

No comments:
Post a Comment