Tuesday, January 27, 2015

أنا مش ضد الثورة (قصة قصيرة تحوَّلت إلى فيلم قصير).. الحلقة الثانية

يوم 12 فبراير 2011م ، بعد سماع خطاب نائب الرئيس بيوم و هو يُعلن أنَّ الرئيس قد أعلن تخليه عن منصب رئيس الجمهورية.

طار (حسام) من على الأرض فرحاً و هو يقول ل ( رامي)  بلهجة نشوة :
شفت بقى يا ( رامي)؟ مش قلت لك إن الثورة هتنجح؟ كان لازم تصدَّقني لمَّا قلت لك إننا هنتظاهر و هنفضل في الميدان لحد الثورة ما تنجح.

بدت الفرحة على وجه (رامي)  أيضاً ، فقد كان يتوقع نجاح الثورة منذ يوم 25 يناير ، و لكنه كان يخشى ما يمكن أن يحدث من فوضى باسم الحرية قائلاً:
أنا مش ضد الثورة علشان أكون مش متأكد إن الثورة مش هتنجح أو أزعل لمَّا تنجح ، كل الفكرة إني خايف .

سأله ( حسام) بلهجة استيضاح و شغف  قائلاً بصوت يبدو عليه اللهفة:
خايف من إيه إن شاء الله؟ الثورة نجحت و الرئيس مبارك تخلى عن منصبه و الناس عرفت الشعب ممكن يعمل إيه!

ابتسم ( رامي) و هو يُجيب  بلهجة هدوء قائلاً بسعة صدر و إيضاح و تبدو على ( حسام) علامات الاستماع إلى صديقه :
يا حبيبي أنا مش خايف من الحاكم أو المجموعة الحاكمة ، أنا خايف من خلط الفوضى بالحرية ، اللي يجي في وشك بالعربية في الاتجاه المُعاكس و بيعرَّض حياته و حياة غيره للخطر و لمَّا ربنا يسلِّم يقول لك " أنا حر".

اكتسب صوت ( رامي) لهجة حماسية و قد اندمح في الاسترسال  و هو يستخدم يديه في الشرح كانَّه أستاذ جامعي لا يجد الفلاح من تلاميذه :
لمَّا واحد يكسر إشارة المرور أو يرمي الزبالة في الشارع و يقول لك " أنا حر" ، لمَّا أي سواق مايكروباص يكسر عليه حد ينزل يتخانق و معاه سلاح أبيض و الناس تحاول تمنعه يقتل الطرف التاني.

حاول ( حسام) امتصاص غضب صديقه و هو يقول في تفهم و إدراك :
أنا فاهم إنك مش عايز كمان الناس اللي ما طلعتش المظاهرات تشتري أمنها و اقتصادها بسبب التهديد بالانهيار الاقتصادي بالمقايضة مع السياسة.

بدا في لهجة ( رامي) الحنين و الغيرة على الوطن و قد انتفض واقفاً من جلسته على الأريكة  و هو يقول بحماس :
أنا فعلاً نفسي إن الناس تتجه للبناء و تبدأ تكوِّن أحزاب سياسية  بدل الأحزاب السياسية الديكور ، و تقدر تخلص من الحياة السياسية الراكدة.

مطَّ ( حسام) شفتيه مُعتبراً ذلك أمراً طبيعياً و هو يقول بلهجة هادئة :
 طبيعي ، دا المطلب الأول لثورة 25 يناير.

بدا على كلام ( رامي) العقلانية و هو يقول بلهجة إشفاق على ما قد تئول إليه مصر :
أنا خايف إن المطلب دا يضيع بسبب خلط السياسة بالدين و هيطلع ناس تقول لهم انتخبوا فلان علشان هيدافع عن الدين.

بدا كلام ( حسام) مطمئناً و هو يقول له بلهجة حنان :
 ما تقلقش ، تاريخ مصر بيقول إن مصر طول عمرها بتدافع عن الوسطية من ساعة ما طلعنا فيها و عندها حضارة حتى لو مش باينة في الثقافة ، أكيد هتبان وقت اللزوم.

نظر ( رامي) إلى ساعته و قال بلهجة اعتذار و استئذان ، و هو يتجه إلى باب الشقة :
طيب ، أنا آسف إني سهَّرتك ، يا دوب ألحق أروَّح البيت علشان هند مستنية و مش متعوِّدة مني التأخير.

و همَّ بالخروج.
***
جلست ( هالة ) الفتاة المحجبة تشاهد فيديو للشيخ( محمد حسين يعقوب) يتغزَّل في فرضية الحجاب بعنوان "مش مقتنعة بالحجاب".
***

وجدت ( هند) طابوراً طويلاً من المصريين الذين أحبوا التعبير عن رأيهم ، و هو ما أسعدها كثيراً.

تقف إلى جوارها في الطابور فتاة محجبة ( هالة) ، نظرت إليها بتفحص قبل أن تقول بلهجة بدت ل(هالة) تلقائية ، في حين بدت ل(هند) فيها نوع من التجريح:
إنتِ مسيحية؟

أجابت (هند) بطريقة تلقائية غلب عليها الارتباك و كأنَّها تدفع عن نفسها تهمة قائلة :
لا ، مسلمة.

ثم خشيت أن تكون في إجابتها إهانة لأي مسيحية في الطابور ، فاستدركت قائلة :
بس دا مش معناه إني لا أحترم المسيحيين.

تنحنحت ( هالة) و بدا في صوتها لهجة اعتذار و قد وضعت يدها على كتف ( هند) و كأنَّها تُحاول ضمها إلى جماعة معينة  رغم عدم انتماء (هالة) لأي منها ، و هي تقول :
أصل كل الحكاية إنك مش محجبة ، و إحنا بقينا أغلبية ، و نتمنى من الله إنه يهديكِ و تنضمي لنا.

اكتفت ( هند) برسم ابتسامة تبدو مصطنعة ، و هي تقول :
إن شاء الله ، ربنا يزيدكم.

تنحنحت ( هالة) و هي تُحاول معرفة ما تنتويه ( هند)  سائلة و  لا يزال الطابور يتحرك بسرعة معقولة :
إنتِ هتقولي " نعم" و اللا " لا" في الاستفتاء ؟

استطردت ( هالة)  محاولة توضيح وجهة نظرها  بشكل هادئ  هذه المرة  و هي تقول :
 أصل كل الإسلاميين متفقين إنهم هيقولوا " نعم".

ابتسمت ( هند) و هي تقول بشكل بسيط مُحاولة استيعاب ذلك الفيض من الدردشة الذي طالما حلمت به كتواصل اجتماعي :
مع احترامي للإسلاميين ، بس أنا عايزة أقول " لا" في الاستفتاء ، مش لأني خايفة أي جماعة تحكم مصر ، لكن أنا شايفة ، من وجهة نظري ، إن التعديلات شكلية.

بدا الاحتقان في لهجة ( هالة) التي حاولت الحفاظ على لهجتها الهادئة و هي تقول  بانفعال بسيط :
 أه ، طبعاً إنتِ عايزة تقولي " لا" في الاستفتاء ، علشان الإخوان المسلمين ما يمسكوش البلد ، و لو الإخوان مسكوا البلد إنتِ هتتحجبي.

ثم سألت (هالة) ل (هند) جارتها في الطابور و هي تقول بلهجة بدت للأولى تلقائية و خالية من أي تعقيد :
ليه مش عايزة تتحجبي؟

بدا على ( هند) و خافت أن يكون في ردها احتقار لأي محجبة في الطابور ، فنظرت أمامها و خلفها ، قبل أن تقول بلهجة هادئة و تبدو (هالة) متفرجة لأنها تتوقع استرسال (هند) و يبدو على وجهها علامات الاستماع الدقيق :
مع كامل احترامي لقناعاتك الدينية ، إنَّما تسمحي لي أسألك سؤال تقريري ، مش عايزة منك تجاوبيني عليه ، ليه حتى لو الإخوان المسلمين فازوا في الانتخابات الرئاسية مكتوب علينا إننا نخرج من حياة سياسية و حزبية كانت مشلولة  لحياة حزبية مشلولة تانية؟!

التقطت (هند) نفساً عميقاً و تنهدت قبل أن تقول بشكل هادئ مستطردة ، حاولت ( هالة) امتصاص طاقة الحماس أو استيعابها ، فأنصتت باهتمام بدا على وجهها لوجهة نظر (هند) :
و بعدين إيه علاقة إني مش محجبة بإن الرئيس اللي هيُنتخب يُنتخب لفترتين على أقصى تقدير أو إن كل فترة تكون أربع سنين أو إلغاء قانون الطوارئ و بقية التعديلات؟!

استمرت ( هند) في انفعالها المتحمس و هي تحاول أن تلتزم الهدوء في قولها ، لكنَّها بدت كأستاذة في مدرسة ، لديها طاقة الاسترسال دون أن تنتظر جواباً من الطرف الآخر ،الذي بدا صامتاً كما يكون الطلاب في مدارسنا حريصين على عدم مقاطعة الأستاذ :
دا غير إن القرآن اللي حضرتك ممكن تكوني حافظاه أكتر مني ، ربنا بيقول فيه ، بسم الله الرحمن الرحيم ( إنَّا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان إنَّه كان ظلوماً جهولاً) صدق الله العظيم .

استرسلت ( هند) بحماسها و هي تُحاول شرح موقفها من أي جماعة ، و أنَّ لها حق الاختيار و احتفظت بلهجتها الهادئة و هي تقول :
 يعني المجال لمَّا يكون مفتوح للاختيار ، ما يكونش فيه عصيان ، و لامعناه إننا لو قلنا " لا" نبقى ضد جماعة دينية أو ضد المجلس العسكري.

نطقت (هالة) بعد صمت طويل بابتسامة جميلة ، تعبِّر عن هدوء و هي تقول بشكل  واثق و هي تضغط على كلمة "مهما كانت" و قد اقتربت اللجنة  :
من حقك أكيد تختاري ، بكرة نتقابل إن شاء الله  و العبرة بالنتيجة ، و لازم نحترم النتيجة .. مهما كانت.

و همَّت كل واحدة منهما على دخول اللجنة.
 ***


No comments:

Post a Comment