Wednesday, January 28, 2015

أنا مش ضد الثورة (قصة قصيرة تحوَّلت إلى فيلم قصير).. الحلقة الرابعة

جلست ( هند) تتابع بشغف ما يحدث على التلفاز من أحداث العباسية ، دخل إلى الصالة من باب الشقة ( رامي) الذي كان يُحاول أن يُخبرها بما يحدث في الخارج.

سألها ( رامي)  بلهجة قلق واضحة :
إنتِ إيه رأيك في اللي بيحصل دا؟

أجابته ( هند) بلهجة امتزجت فيها الحيرة مع القلق:
أنا بصراحة بقيت في حالة توهان.

استوضح ( رامي)  ما تُريد بلهفة متسائلاً:
من إيه يا هند؟

بدت الحيرة في عينيها و هي تُجيب بلهجة فيها من الحماس و القلق على مستقبل مصر و دهشتها و عجبها من التصرفات التي تراها غير متسقة من وجهة نظرها ، قائلة بقوة :
مش عارفة إيه اللي بيحصل!  مين اللي من مصلحته يعمل تهييج للشعب ضد المجلس العسكري بسبب خطاب اللواء ( محسن الفنجري) ؟ و إيه اللي يخلِّي الناس اللي عملت مظاهرات في 18 يوم ملتزمة بميدان التحرير تطلع قدام وزارة الدفاع؟

حاول ( رامي) أن يُجيب بحجته ، و قد رأى مشهداً قد يُغيِّر من عدم استقرار مشاعر (هند) و إحساسها بتغيُّر التركيبة البشرية قائلاً:
ما هو الناس طلعت قدام وزارة الداخلية في ال 18 يوم اللي فاتوا لحد الرئيس السابق ما أعلن نائبه تنحيه.

أبدت ( هند) وجهة نظرها و هي تقول بلهجة فيها من اليأس :
واضح إن التركيبة البشرية اللي موجودة في ميدان التحرير اتغيَّرت.

أظهر ( رامي) حيرته عند هذا الحد ، و هو يقول بلهجة تدل على أنَّه يشعر بالدهشة ممَّا يحدث في مصر ، مُحاولاً إيجاد تفسير منطقي لتلك المشاهد التي يراها من خلال التليفزيون أو في الشارع بعد الاحتكاك بالناس :
أنا كمان بقيت في حالة توهان يا هند ، مش عارف يعني الناس اللي انتهت فترة مظاهراتهم ، كانوا بيهتفوا " الجيش و الشعب يد واحدة" بعد خطاب اللواء ( محسن الفنجري) بقوا بيهتفوا " يسقط يسقط حكم العسكر".

أبدت ( هند) تعجبها و هي تقول بطريقة حملت البراءة على وجهها و التلقائية التي تعوَّدت أن تكون ملامحها كالأطفال متسائلة بحُرقة :
دا غير إنه ممكن يكون أبو الشهيد أو أمه اللي تصدَّى لهجوم قدام وزارة الداخلية ، باسم الاعتصام السلمي ، يكون وبَّخ ابنه أو بنته ، لمِّا كان عايز ينزل المظاهرات ، دلوقتي ابنه بقى بطل بيطالب له بالقصاص؟!

بدا التساؤل بالنسبة ل ( هند) بسيطاً ، لكنه حمل استنكاراً أو ربما رفضاً للمعنى المفهوم بالفطرة ، و هي تقول:
هو معنى إني قلت " لا" في الاستفتاء ، إني ضد المجلس العسكري ، أو ضد الجماعات الدينية؟!

حاول ( رامي) تهدئتها بالتربيت على كتفها بحنان ، و هو يقول بشكل غلب عليه العقلانية و المنطقية من وجهة نظره التي تقتبس من التاريخ ، و هو يوضح بلهجة حماس:
أنا في رأيي إننا قبل الدستور ، محتاجين مروءة تطبيق الدستور ، يعني عندنا دستور 1954م ممكن نعيد تفعيله ، شارك في إعداده الدكتور (طه حسين) من ضمن 50 شخصية فكرية.

بدت في عيني ( هند) براءة طفولية و هي تقول بشكل توضيحي حاولت من خلاله التظاهر  و كأنَّها مُدرسة التاريخ التي تعبِّر لتلاميذها عن خشية المستقبل من خلال دراسة الماضي :
المسألة حالياً مش مسألة دستور ، المسألة إننا عايزين ديموقراطية حقيقية ، أنا خايفة الجيش يعمل زي الجيش الفرنسي من 3 قرون (222 سنة) ، لمَّا كانت كل مطالب الناس محاكمة فلان و إعدام علان ، في الآخر و بعد 10 سنين مسكها نابليون بونابرت كحاكم عسكري.

هزَّ ( رامي) رأسه باقتناع  و هو يقول بلهجة التصديق على كلامها " عندك حق" ، و بالحماس في بقية الجملة التي حاول فيها استرجاع صور الماضي القريب الذي كان الناس يتعاملون فيه بتلقائية و بساطة و احترام بدون تمييز طائفي و بجدية في العمل :
عندك حق ، محتاجين  إنه يبقى فيه نشاط حزبي ، و إن كل المصريين يحطوا إيديهم في إيدين بعض ،  و نقرَّر إننا عايزين الأخلاق ترجع تاني و عايزين ما نحكمش على بعض إننا عملاء أو خاينين لو اختلفنا في الرأي ، و ما يبقاش فيه تمييز طائفي.

عبَّرت ( هند) عن جيلها و أشارت بإصبعها الإبهام كأنَّها علامة موافقة على موقع الفيس بوك ، و هي تقول بلهجة مزجت بين الحماس و الوطنية :
باختصار ، عايزين مصر الجديدة بالمعاني القديمة من الأخلاق و التلقائية و البساطة ، عايزين نرجع يبقى عندنا إنتاجية ، عايزين أحلامنا تبقى في إيدينا.

بدا على ( رامي) ابتسامة ترحاب و سعة صدر ، و هو يحكي لأخته تلك القصة التي أعجبته من تلك المسرحية القديمة نسبياً ، لكنَّها تحاول تلخيص ما يراه قد أصبح واقعاً ، قائلاً ببساطة و تلقائية و هدوء :
أه ، فعلاً كان فيه مسرحية قديمة اسمها " جحا يحكم المدينة " تأليف وحيد حامد و بطولة سمير غانم قبل ثورة 25 يناير 2011م بكتير ، مفادها إننا لازم نشتغل علشان مطالبنا ما تبقاش في إيد حد تاني.

بدا على وجه ( هند) الجدية و الحماس و هي تقول بشكل ليس فيه تحامل على أحد ، لكنَّها تشعر بالألم من تحويل مسار قضية حرية الوطن الذي دافع عنها مسلمون و مسيحيون على اختلاف انتماءاتهم ، و كذلك تُريد ممن يُشيع الأخبار أن يتحرى الصدق و الدقة :
 أنا بصراحة نفسي القضايا ما تتحوِّلش عن مسارها ، يعني مثلاً الشهيدة ( سالي زهران) الله يرحمها ، خرجت تدافع عن حرية الوطن ، بس واضح إن فيه ناس كتير نسيت معنى الحرية ، و علشان كدا كل اللي فرق معاهم هو إن الصورة من غير حجاب ، و أشاعوا على الفيس بوك إنَّها اتحجِّبت قبل الشهادة.

بدت على وجه ( رامي) ملامح الاعتذار ، ربما لحساسية القضية لأشخاص ليسوا معهم في بيتهم ، لكنَّه يخشى أن يتم نقل الكلام بصورة مختلفة ، و هو يقول :
لازم الناس تفهم إننا مش ضد حرية حد ، إنَّما أنا متخيل إنك بتتخيَّلي نفسك مكانها ، و كان ممكن تزعلي من فكرة إن القضية ضاعت.

أومأت ( هند) برأسها بالموافقة و هي تقول بتأكيد و لهجة واثقة :
بالضبط ، قضية الحرية.

***

لقطة أرشيفية لاحتشاد  أنصار الجماعات الإسلامية بميدان التحرير يرفعون شعارات، في جمعة توحيد الصف 29 يوليو 2011م، لم يتم رفعها منذ بداية الثورة و كأنَّه استعراض قوة على حسب وصف البعض.

***


No comments:

Post a Comment