جلست ( هند) تتابع بشغف
ما يحدث على التلفاز من أحداث العباسية ، دخل إلى الصالة من باب الشقة ( رامي)
الذي كان يُحاول أن يُخبرها بما يحدث في الخارج.
سألها ( رامي)
بلهجة قلق واضحة :
- إنتِ إيه رأيك في اللي
بيحصل دا؟
أجابته ( هند) بلهجة
امتزجت فيها الحيرة مع القلق:
- أنا بصراحة بقيت في
حالة توهان.
استوضح ( رامي) ما تُريد بلهفة متسائلاً:
- من إيه يا هند؟
بدت الحيرة في عينيها و
هي تُجيب بلهجة فيها من الحماس و القلق على مستقبل مصر و دهشتها و عجبها من
التصرفات التي تراها غير متسقة من وجهة نظرها ، قائلة بقوة :
- مش عارفة إيه اللي
بيحصل! مين اللي من مصلحته يعمل تهييج
للشعب ضد المجلس العسكري بسبب خطاب اللواء ( محسن الفنجري) ؟ و إيه اللي يخلِّي
الناس اللي عملت مظاهرات في 18 يوم ملتزمة بميدان التحرير تطلع قدام وزارة الدفاع؟
حاول ( رامي) أن يُجيب
بحجته ، و قد رأى مشهداً قد يُغيِّر من عدم استقرار مشاعر (هند) و إحساسها بتغيُّر
التركيبة البشرية قائلاً:
- ما هو الناس طلعت قدام
وزارة الداخلية في ال 18 يوم اللي فاتوا لحد الرئيس السابق ما أعلن نائبه تنحيه.
أبدت ( هند) وجهة نظرها و
هي تقول بلهجة فيها من اليأس :
- واضح إن التركيبة
البشرية اللي موجودة في ميدان التحرير اتغيَّرت.
أظهر ( رامي) حيرته عند
هذا الحد ، و هو يقول بلهجة تدل على أنَّه يشعر بالدهشة ممَّا يحدث في مصر ،
مُحاولاً إيجاد تفسير منطقي لتلك المشاهد التي يراها من خلال التليفزيون أو في
الشارع بعد الاحتكاك بالناس :
- أنا كمان بقيت في حالة
توهان يا هند ، مش عارف يعني الناس اللي انتهت فترة مظاهراتهم ، كانوا بيهتفوا
" الجيش و الشعب يد واحدة" بعد خطاب اللواء ( محسن الفنجري) بقوا
بيهتفوا " يسقط يسقط حكم العسكر".
أبدت ( هند) تعجبها و هي
تقول بطريقة حملت البراءة على وجهها و التلقائية التي تعوَّدت أن تكون ملامحها
كالأطفال متسائلة بحُرقة :
- دا غير إنه ممكن يكون
أبو الشهيد أو أمه اللي تصدَّى لهجوم قدام وزارة الداخلية ، باسم الاعتصام السلمي
، يكون وبَّخ ابنه أو بنته ، لمِّا كان عايز ينزل المظاهرات ، دلوقتي ابنه بقى بطل
بيطالب له بالقصاص؟!
بدا التساؤل بالنسبة ل ( هند) بسيطاً ، لكنه حمل
استنكاراً أو ربما رفضاً للمعنى المفهوم بالفطرة ، و هي تقول:
- هو معنى إني قلت
" لا" في الاستفتاء ، إني ضد المجلس العسكري ، أو ضد الجماعات الدينية؟!
حاول ( رامي) تهدئتها
بالتربيت على كتفها بحنان ، و هو يقول بشكل غلب عليه العقلانية و المنطقية من وجهة
نظره التي تقتبس من التاريخ ، و هو يوضح بلهجة حماس:
- أنا في رأيي إننا قبل
الدستور ، محتاجين مروءة تطبيق الدستور ، يعني عندنا دستور 1954م
ممكن نعيد تفعيله ، شارك في إعداده الدكتور (طه حسين) من ضمن 50 شخصية فكرية.
بدت في عيني ( هند) براءة
طفولية و هي تقول بشكل توضيحي حاولت من خلاله التظاهر و كأنَّها مُدرسة التاريخ التي تعبِّر
لتلاميذها عن خشية المستقبل من خلال دراسة الماضي :
- المسألة حالياً مش مسألة
دستور ، المسألة إننا عايزين ديموقراطية حقيقية ، أنا خايفة الجيش يعمل زي الجيش
الفرنسي من 3 قرون (222 سنة) ، لمَّا كانت كل مطالب الناس محاكمة فلان و إعدام علان ، في الآخر و بعد 10 سنين مسكها
نابليون بونابرت كحاكم عسكري.
هزَّ ( رامي) رأسه
باقتناع و هو يقول بلهجة التصديق على
كلامها " عندك حق" ، و بالحماس في بقية الجملة التي حاول فيها استرجاع
صور الماضي القريب الذي كان الناس يتعاملون فيه بتلقائية و بساطة و احترام بدون
تمييز طائفي و بجدية في العمل :
- عندك حق ، محتاجين إنه يبقى فيه نشاط حزبي ، و إن كل المصريين
يحطوا إيديهم في إيدين بعض ، و نقرَّر
إننا عايزين الأخلاق ترجع تاني و عايزين ما نحكمش على بعض إننا عملاء أو خاينين لو
اختلفنا في الرأي ، و ما يبقاش فيه تمييز طائفي.
عبَّرت ( هند) عن جيلها و
أشارت بإصبعها الإبهام كأنَّها علامة موافقة على موقع الفيس بوك ، و هي تقول بلهجة
مزجت بين الحماس و الوطنية :
- باختصار ، عايزين مصر
الجديدة بالمعاني القديمة من الأخلاق و التلقائية و البساطة ، عايزين نرجع يبقى
عندنا إنتاجية ، عايزين أحلامنا تبقى في إيدينا.
بدا على ( رامي) ابتسامة
ترحاب و سعة صدر ، و هو يحكي لأخته تلك القصة التي أعجبته من تلك المسرحية القديمة
نسبياً ، لكنَّها تحاول تلخيص ما يراه قد أصبح واقعاً ، قائلاً ببساطة و تلقائية و
هدوء :
- أه ، فعلاً كان فيه
مسرحية قديمة اسمها " جحا يحكم المدينة " تأليف وحيد حامد و بطولة سمير
غانم قبل ثورة 25 يناير 2011م بكتير ، مفادها إننا لازم نشتغل علشان مطالبنا ما
تبقاش في إيد حد تاني.
بدا على وجه ( هند)
الجدية و الحماس و هي تقول بشكل ليس فيه تحامل على أحد ، لكنَّها تشعر بالألم من
تحويل مسار قضية حرية الوطن الذي دافع عنها مسلمون و مسيحيون على اختلاف
انتماءاتهم ، و كذلك تُريد ممن يُشيع الأخبار أن يتحرى الصدق و الدقة :
- أنا بصراحة نفسي القضايا
ما تتحوِّلش عن مسارها ، يعني مثلاً الشهيدة ( سالي زهران) الله يرحمها ، خرجت
تدافع عن حرية الوطن ، بس واضح إن فيه ناس كتير نسيت معنى الحرية ، و علشان كدا كل
اللي فرق معاهم هو إن الصورة من غير حجاب ، و أشاعوا على الفيس بوك إنَّها
اتحجِّبت قبل الشهادة.
بدت على وجه ( رامي)
ملامح الاعتذار ، ربما لحساسية القضية لأشخاص ليسوا معهم في بيتهم ، لكنَّه يخشى
أن يتم نقل الكلام بصورة مختلفة ، و هو يقول :
- لازم الناس تفهم إننا مش
ضد حرية حد ، إنَّما أنا متخيل إنك بتتخيَّلي نفسك مكانها ، و كان ممكن تزعلي من
فكرة إن القضية ضاعت.
أومأت ( هند) برأسها
بالموافقة و هي تقول بتأكيد و لهجة واثقة :
- بالضبط ، قضية الحرية.
***
لقطة أرشيفية لاحتشاد أنصار الجماعات الإسلامية بميدان التحرير
يرفعون شعارات، في جمعة توحيد الصف 29 يوليو 2011م، لم يتم رفعها منذ بداية الثورة
و كأنَّه استعراض قوة على حسب وصف البعض.
***

No comments:
Post a Comment