جلس ( رامي) على سريره في
غرفته المتوسطة الحجم و قد بدا شارد الذهن مهموماً و قد وضع يده على وجنته.
لاحظت أخته ( هند) ذلك
المشهد أثناء مرورها من أمام باب حجرته المفتوح ، فحاولت بروحها المرحة المُعتادة
أن تُخرجه من حالة الشرود التي يُعانيها ، فتسلَّلت بحركة بطيئة و دغدغت جنبيه
لتفاجئه و هي تقول :
- بتفكَّر في إيه يا جميل ؟
تمادت (هند) بروحها
المرحة و هي تقول له ببساطة و تلقائية :
- شكلك كدا بتحب جديد ، صح؟
و لأول مرة منذ أن دخلت
غرفته ارتسمت على وجهه ابتسامة ، و هو يُجيب في مُحاولة لمُجاراتها قائلاً:
- أه ، طبعاً.
تمادت ( هند) في
تلقائيتها و خلعت " شبشبها " و جلست معقودة الساقين على سريره ، و هي
تقول ببساطة متسائلة :
- و يا ترى بقى بتحب مين يا
روميو زمانك؟
التفت ( رامي) إليها و هو
يحاول التمادي معها في مزاحها ، و قد
ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة و قد امتدت يداه إلى باطني قدميها الحافيتين
ليدغدغها دغدغة بسيطة بحنان أخوي و هو يقول :
- ما إنتِ عارفة من زمان
إني بأحب مصر يا بنت يا بكاشة.
و اكتسى صوته نبرة
الجدية و هو يقول لها متسائلاً ، و قد تقبَّلت مزاحه بصدر رحب و اعتدلت في
جلستها :
- أنا مش عارف إيه اللي حصل
في مصر؟
بدا على ( هند) الاهتمام
و هي تُحاول الإنصات إليه و ردَّت عليه باستيضاح تقول :
- يا ريت تحكي لي الموقف ،
علشان أقدر أكون معاك في الصورة.
بدا على صوت ( رامي)
الجدية و هو يقول بلهجة متأثرة بعض الشيء :
- إمبارح كنت مع أصحابي ،
عرضوا عليَّ الاشتراك في مظاهرة يوم 25 يناير و أنا رحَّبت بالفكرة ، لمَّا عرفت
إنهم مخططين إن الشعب يطلع كله علشان الوضع اللي مضايقه ، بس اختلفت معاهم في حاجة
بسيطة.
تساءلت ( هند) بشغف عن
سبب اختلافه معهم ببساطة و هي تجلس في مواجهة (رامي) :
- اختلفت معاهم على إيه؟
بدا الحماس في نبرة صوت (
رامي) و هو يقول معبِّراً عمَّا بداخله :
- أنا قلت لهم إن الثورة في
حد ذاتها شيء جميل و إن ثورة بالمعنى اللي هم عايزينه يخرج فيها المسلمين مع
المسيحيين و الأطفال و الشيوخ جنب الشباب دا ما حصلش من سنة 1919 م تقريباً.
بدا على (هند) علامات
الانتباه و هي تسأل بشغف اختلط بلهجة مرحة
:
- طب و فين المشكلة؟
أجاب ( رامي) بلهجة
المهموم الذي كان ينظر إلى مجتمعه على أنَّه متسامح قائلاً:
- المشكلة إني قلت لهم لازم
ناخد بالنا و ما نتعاملش مع شخص الحاكم أو حتى المجموعة الحاكمة على إنهم من مجتمع
مختلف و إنهم لو مشيوا حال البلد هيبقى على ما يُرام.
رَبَتت ( هند) على كتفه و
هي تُحاول طمأنته و قد أدركت ما قد يُعانيه من اضطهاد قائلة بابتسامة عريضة :
- تمام ، بس إنتَ مش أول
واحد يقول الكلام دا ، قاله الإمام ( محمد عبده) من أكتر من قرن ، إننا لازم نبدأ
بإصلاح اجتماعي و تعليمي.
ثم قالت (هند) بحنان
اختلط بالمرح متسائلة :
- تفتكر يا أخي العزيز إن
دا كان بسبب إنه عايز يتفادى التصادم مع الحاكم؟!
ارتسمت على وجه (رامي)
ابتسامة و هو يقول مضيفاً إلى ذلك الاحتمال :
- ممكن ، بس احتمال تاني
يكون لأنه عايز يشوف الأخلاقيات بتنتشر زي ما شاف أوروبا و قال " رأيتُ هناك
إسلاماً بلا مسلمين و رأيتُ هنا مسلمين بلا إسلام".
بدا على وجه ( هند)
التأمل للحظة إلى السقف ثم لم تلبث أن نظرت إلى أخيها و هي تقول :
- و كأن الإسلام في وجهة
نظر الإمام ( محمد عبده) هو الأخلاقيات و تصرفات المسلمين اللي شايفها هي الشعائر.
تأمَّل (رامي) قولها
بامتنان ثم لم يلبث أن نظر إلى ساعته و قال
بابتسامة عريضة مدللاً أخته:
- تمام يا بنوتة ، أنا آسف
مضطر أستأذن أقول لك سلام مؤقت .
***

No comments:
Post a Comment