جلست ( عبير) و
أمها في صالة الاستقبال بعيادة الطبيب و هي تنظر إلى السيدات و الفتيات من حولها
لزمن بسيط حتى نادت الممرضة على اسمها لدخول غرفة الكشف.
دخلت (عبير) إلى غرفة
الكشف ، فاستقبلها الطبيب بترحاب و ابتسامة خفيفة ، و مدَّ يده إليها بحركة
تلقائية ليصافحها قائلاً:
- اتفضلي.
تردَّدت (عبير) قليلاً
قبل أن تمد إليه يدها لتصافحه بطريقة سريعة ، تجاوزها الطبيب و هو يسأل :
- خير إن شاء الله؟
بتشتكي من إيه؟
تطوَّعت والدتها
لأول مرة لتجيب بالنيابة عنها قائلة بسرعة قبل أن تجيبه ( عبير) :
- أبداً يا دكتور ، بنتي
عندها 16 سنة ، و بدأت تشتكي من أعراض إن شعرها بدأ يبقى أبيض شوية.
أكملت الأم حديثها في
محاولة لشرح أكبر للحالة في وجود صمت بسيط من ( عبير) التي تأملت ملامح أمها و هي
تشرح للطبيب و تتأمل انفعالات الطبيب:
- أنا قلت لها إن
الموضوع دا ممكن يكون بسيط مش كبير ، بس هي أصرت تروح لدكتور و باباها وافق طالما
أنا معاها.
حاول الطبيب امتصاص
حماس والدة ( عبير) و هو يقول بابتسامة و يصطحب ( عبير) و يغلق النافذة لتتمكن من
خلع غطاء الشعر:
- طيِّب ممكن
أكشف بعد إذن حضرتك؟
تغلَّبت (عبير) على
حيائها فابتسمت و هي تجيب قبل أن تسبقها أمها بالرد :
- أه ، طبعاً اتفضل.
خلعت غطاء الشعر ،فكشف
عليها الطبيب بسرعة قبل أن يسألها :
- بتستعملي كريمات كيماوية؟
أجابت ( عبير) ببساطة
و سرعة و صدق :
- أكيد يا دكتور ، بس مش
كتير.
حاول الطبيب أن ينتقي
كلماته و بدا في حرج و هو يقول :
- مرة واحدة في الشهر
ممكن تكون كفاية جداً .
ثم تنحنح الطبيب و هو
يسألها بحرج :
- إنتِ متشددة؟
تدخَّلت والدتها بحدة
و هي تسأله سؤالاً حاداً :
- إيه لازمة السؤال دا
يا دكتور؟! متهيأ لي إن حضرتك مش هتعمل لها كشف اجتماعي ، ممكن أبوها يكون متدين.
لم تجد ( عبير) حرجاً
في الإجابة على السؤال و لكن ربما بدت إجابتها متعثرة و هي تبتسم :
- لا أبداً يا دكتور ،
ممكن أكون ضحية أكتر مني متشددة ، بس أنا مش عارفة حضرتك عايز توصل لإيه!
ابتسم الطبيب
ابتسامة با هتة وهو ينقل نظره بين والدة ( عبير) و ( عبير) نفسها قائلاً و بدا
كلامه صادقاً و هو يشرح لها مدى عدم انحيازه بهدوء :
- بصي يا عبير ، الكلام
دا هأقوله لك بصفة أخ أكبر مش بصفتي دكتور ؛ لأني لو قلت الكلام دا في جورنال أو
تليفزيون هيقولوا إني بأفتي في الدين و يتهموني بالجهل و يمكن يكفَّروني.
قاطعته أم ( عبير) و
هي تقول بحدة متسائلة :
- لازمتها إيه المقدمة
دي يا دكتور؟! ما تدخل في الموضوع على طول.
ابتسم الطبيب و استدار
للأم و هو يقول ببساطة :
- اسمعيني بس للآخر و لو
كلامي مش عاجبك ارميه من الشباك.
تنحنح الطبيب و قد
أحست والدة ( عبير) أنَّه يستعطفها ببعض العبارات إلا أنَّه كان يحاول نقل ما يعرف
بأمانة شديدة و هو يقول ببراءة :
- ما أقدرش أقول لك إن
فيه حقيقة طبية بتقول إن فيه علاقة شرطية بين الحجاب و سقوط الشعر أو تحول لونه
للأبيض.
هتفت الأم مقاطعة
للطبيب و هي تقول بحماس لم يخلُ من التحدي و تنقلت نظراتها بين الطبيب و ( عبير) :
- الله أكبر! يحيا العدل
، أهو قال لك ، علشان ما تظلميش التدين و ما تاخديش معلوماتك من بره.
ابتسم الطبيب ابتسامة
تحولت إلى ضحكة خفيفة و هو يراقب حماس الأم و يقول لها بهدوء :
- على فكرة أنا لسه ما
خلَّصتش كلامي ، دا لأنهم لازم ياخدوا متطوعين بعدد يرتاح له ضميرهم العلمي و
يتأكدوا إن فيه ارتباط بين الاتنين و ظلموا الطواقي قبل كدا.
ارتسمت ابتسامة على
وجه ( عبير) و هي تراقب ذلك الصراع اللطيف بين الطبيب و الأم و هي تقاطعه للمرة
الثانية و تقول له بحماس تزايد بعد أن أكد على كلامه :
- طب ما إنتَ بتؤكد
كلامك و بتقول إنهم لازم يلاقوا ارتباط بين الاتنين و ظلموا الطواقي يبقى أنا حكمي
ما كانش بيسبق عليك و لا حاجة.
ارتسمت على ملامح
الطبيب ابتسامة مرح و هو يقول بشكل بدا لأم (عبير) مشاغباً :
- أنا جاي لك في الكلام
يا حاجَّة ، صحيح إن في كل بلاد العالم فيه طواقي Hats ،
و صحيح إنهم ظلموها ، بس عندنا حقيقة طبيعية و هي
إنك حتى لو هتغطي شعرك لازم يكون فيه مقدار مناسب للتهوية و التعرض للشمس.
ثم التفت إلى ( عبير)
و هو يسألها بشكل تلقائي و يتوقع أنَّ لها هوايات منزلية :
- إنتِ بتحبي الزراعة و
النباتات؟
بدا الحماس في
لهجة ( عبير) هذه المرة و هي تقول بشكل تلقائي أضحك الطبيب :
- جداً.
تسرَّعت الأم و هي
تسأل سؤالاً تقريرياً ، لا تنتظر جوابه ، بشكل تسلَّل إليه العنف و هي تقول :
- إيه علاقة الزراعة
بالشعر يا دكتور؟ إنتَ بتسرح بنا؟!
ابتسم الطبيب و تجاوز
عن تلك الإهانة و هو يقول بشكل علمي بطريقة منظمة و كأن عيناه تلمع لأنَّه توصل
لفكرة :
- صحيح ما عندناش حقيقة
طبية ، لكن عندنا حقيقة طبيعية ، علشان كدا لو عندك شجرة تفاح في البيت يا عبير
ممكن تعملي عليها التجربة دي.
التقط الطبيب نفساً
عميقاً و هو ينظر إلى والدة ( عبير) التي تترَّقب ما يقول و كذلك إلى ( عبير) التي
شغفتها فكرة التجربة ، قبل أن يقول ببساطة :
- شجرة التفاح
ممكن تكون مطمع للطيور ، و احتمال تحتاج للتغطية ، بس لو فكَّرتِ تغطيها لازم
تسيبي في الكيس مساحة للتهوية.
قاطعت والدة ( عبير)
الطبيب و هي تستوضح تلك النقطة بشغف و هي تسأله :
- إنتَ عمَّال تقول لنا
يا دكتور محتاجة مساحة للتهوية ، بس ما شرحت لناش ليه؟ ليه بتحتاج تهوية؟
أجاب الطبيب و يرتسم
على وجهه ابتسامة تُحاول طمأنة الأم و ( عبير) كذلك و بدا عليهما الاهتمام و هما
يتابعان كلام الطبيب :
- صحيح إن الثمرة بتاخد
تغذيتها من الشجرة زي ما الشعر بياخد تغذيته من الجسم ، لكن دا ما يمنعش إن الثمرة
محتاجة تاخد جزء من ضوء الشمس علشان هي خلية حية.
سألت ( عبير) الطبيب
باهتمام بالغ و هي تستحثه في طلب لأن تعرف بقية القصة و المُشاهدة العلمية :
- طب و إيه اللي بيحصل
يا دكتور؟ أصل أنا مربية شجرة ليمون في البلكونة ؛ إنَّما التفاح ما جرَّبتش قبل
كدا.
بدأ الطبيب يشرح و لم
تفارق وجهه الابتسامة و ينظر إلى عيني والدة ( عبير) ثم إلى عيني ( عبير) قائلاً :
- الثمرة لو مش بتتنفس و
تاخد ضوء الشمس الطبيعي بتقع صغيرة و تحمَّر إنَّما الحقيقة إن الاحمرار دا مش
نضوج.
تسلَّلت الحدة إلى لهجة والدة ( عبير) و هي تسأل الطبيب :
- إيه دليلك إن دا مش
نضوج؟
أجاب الطبيب بابتسامة
رقيقة و هو ينهي كلامه و تنهد في نهايته تنهيدة المرتاح :
- إن حضرتك لما تجي
تاكليها بتلاقيها مُرَّة جداً.
قامت والدة ( عبير)
فجأة و هي تقول ل ( عبير) باستنهاض لهمتها بعدما أحست أن كلام الطبيب سحرها :
- ياللا بنا يا بنتي ،
أنا قلت لك إنك ممكن تكوني مش محتاجة لدكتور و مش عارفين هنوصَّل الكلام دا لأبوكِ
إزاي؟!
تنهَّد الطبيب تنهيدة
حارة أخرج بها ما بصدره و استقبل كلام الأم بترحاب و سعة صدر و هو يذكِّرها بما
قاله في بداية حواره معهما و هو يقول ببساطة و ابتسامة :
- على العموم يا حاجَّة
، أنا كلامي خلص و أشكرك على وقتك اللي سمعتيني فيه و أنا قلت لك من البداية"
لو مش عاجبك كلامي ممكن ترميه من الشباك" ، لكن أنا قلت الكلام اللي يريَّح
ضميري.
همَّت ( عبير) و
والدتها بالانصراف.
***

No comments:
Post a Comment