Sunday, January 18, 2015

حالة صمت (قصة قصيرة) - الحلقة الرابعة

جلست ( عبير) و أمها في صالة الاستقبال بعيادة الطبيب و هي تنظر إلى السيدات و الفتيات من حولها لزمن بسيط حتى نادت الممرضة على اسمها لدخول غرفة الكشف.

دخلت (عبير) إلى غرفة الكشف ، فاستقبلها الطبيب بترحاب و ابتسامة خفيفة ، و مدَّ يده إليها بحركة تلقائية ليصافحها قائلاً:
اتفضلي.

تردَّدت (عبير) قليلاً قبل أن تمد إليه يدها لتصافحه بطريقة سريعة ، تجاوزها الطبيب و هو يسأل :
خير إن شاء الله؟ بتشتكي من إيه؟

تطوَّعت والدتها لأول مرة لتجيب بالنيابة عنها قائلة بسرعة قبل أن تجيبه ( عبير) :
أبداً يا دكتور ، بنتي عندها 16 سنة ، و بدأت تشتكي من أعراض إن شعرها بدأ يبقى أبيض شوية.

أكملت الأم حديثها في محاولة لشرح أكبر للحالة في وجود صمت بسيط من ( عبير) التي تأملت ملامح أمها و هي تشرح للطبيب و تتأمل انفعالات الطبيب:
أنا قلت لها إن الموضوع دا ممكن يكون بسيط مش كبير ، بس هي أصرت تروح لدكتور و باباها وافق طالما أنا معاها.

حاول الطبيب امتصاص حماس والدة ( عبير) و هو يقول بابتسامة و يصطحب ( عبير) و يغلق النافذة لتتمكن من خلع غطاء الشعر:
 طيِّب ممكن أكشف بعد إذن حضرتك؟

تغلَّبت (عبير) على حيائها فابتسمت و هي تجيب قبل أن تسبقها أمها بالرد :
 أه ، طبعاً اتفضل.

خلعت غطاء الشعر ،فكشف عليها الطبيب بسرعة قبل أن يسألها :
 بتستعملي كريمات كيماوية؟

أجابت ( عبير) ببساطة و سرعة و صدق :
أكيد يا دكتور ، بس مش كتير.

حاول الطبيب أن ينتقي كلماته و بدا في حرج و هو يقول :
مرة واحدة في الشهر ممكن تكون كفاية جداً .

ثم تنحنح الطبيب و هو يسألها بحرج :
إنتِ متشددة؟

تدخَّلت والدتها بحدة و هي تسأله سؤالاً حاداً :
إيه لازمة السؤال دا يا دكتور؟! متهيأ لي إن حضرتك مش هتعمل لها كشف اجتماعي ، ممكن أبوها يكون متدين.

لم تجد ( عبير) حرجاً في الإجابة على السؤال و لكن ربما بدت إجابتها متعثرة و هي تبتسم :
لا أبداً يا دكتور ، ممكن أكون ضحية أكتر مني متشددة ، بس أنا مش عارفة حضرتك عايز توصل لإيه!

ابتسم الطبيب ابتسامة با هتة وهو ينقل نظره بين والدة ( عبير) و ( عبير) نفسها قائلاً و بدا كلامه صادقاً و هو يشرح لها مدى عدم انحيازه بهدوء :
بصي يا عبير ، الكلام دا هأقوله لك بصفة أخ أكبر مش بصفتي دكتور ؛ لأني لو قلت الكلام دا في جورنال أو تليفزيون هيقولوا إني بأفتي في الدين و يتهموني بالجهل و يمكن يكفَّروني.

قاطعته أم ( عبير) و هي تقول بحدة متسائلة :
لازمتها إيه المقدمة دي يا دكتور؟! ما تدخل في الموضوع على طول.

ابتسم الطبيب و استدار للأم و هو يقول ببساطة :
اسمعيني بس للآخر و لو كلامي مش عاجبك ارميه من الشباك.

تنحنح الطبيب و قد أحست والدة ( عبير) أنَّه يستعطفها ببعض العبارات إلا أنَّه كان يحاول نقل ما يعرف بأمانة شديدة و هو يقول ببراءة :
ما أقدرش أقول لك إن فيه حقيقة طبية بتقول إن فيه علاقة شرطية بين الحجاب و سقوط الشعر أو تحول لونه للأبيض.

هتفت الأم مقاطعة للطبيب و هي تقول بحماس لم يخلُ من التحدي و تنقلت نظراتها بين الطبيب و ( عبير) :
الله أكبر! يحيا العدل ، أهو قال لك ، علشان ما تظلميش التدين و ما تاخديش معلوماتك من بره.

ابتسم الطبيب ابتسامة تحولت إلى ضحكة خفيفة و هو يراقب حماس الأم و يقول لها بهدوء :
على فكرة أنا لسه ما خلَّصتش كلامي ، دا لأنهم لازم ياخدوا متطوعين بعدد يرتاح له ضميرهم العلمي و يتأكدوا إن فيه ارتباط بين الاتنين و ظلموا الطواقي قبل كدا.

ارتسمت ابتسامة على وجه ( عبير) و هي تراقب ذلك الصراع اللطيف بين الطبيب و الأم و هي تقاطعه للمرة الثانية و تقول له بحماس تزايد بعد أن أكد على كلامه :
- طب ما إنتَ بتؤكد كلامك و بتقول إنهم لازم يلاقوا ارتباط بين الاتنين و ظلموا الطواقي يبقى أنا حكمي ما كانش بيسبق عليك و لا حاجة.

ارتسمت على ملامح الطبيب ابتسامة مرح و هو يقول بشكل بدا لأم (عبير) مشاغباً :
-  أنا جاي لك في الكلام يا حاجَّة ، صحيح إن في كل بلاد العالم فيه طواقي Hats ،
و صحيح إنهم ظلموها ، بس عندنا حقيقة طبيعية و هي إنك حتى لو هتغطي شعرك لازم يكون فيه مقدار مناسب للتهوية و التعرض للشمس.

ثم التفت إلى ( عبير) و هو يسألها بشكل تلقائي و يتوقع أنَّ لها هوايات منزلية :
إنتِ بتحبي الزراعة و النباتات؟

بدا الحماس في لهجة ( عبير) هذه المرة و هي تقول بشكل تلقائي أضحك الطبيب :
جداً.

تسرَّعت الأم و هي تسأل سؤالاً تقريرياً ، لا تنتظر جوابه ، بشكل تسلَّل إليه العنف و هي تقول :
-  إيه علاقة الزراعة بالشعر يا دكتور؟ إنتَ بتسرح بنا؟!

ابتسم الطبيب و تجاوز عن تلك الإهانة و هو يقول بشكل علمي بطريقة منظمة و كأن عيناه تلمع لأنَّه توصل لفكرة :
صحيح ما عندناش حقيقة طبية ، لكن عندنا حقيقة طبيعية ، علشان كدا لو عندك شجرة تفاح في البيت يا عبير ممكن تعملي عليها التجربة دي.

التقط الطبيب نفساً عميقاً و هو ينظر إلى والدة ( عبير) التي تترَّقب ما يقول و كذلك إلى ( عبير) التي شغفتها فكرة التجربة ، قبل أن يقول ببساطة :
 شجرة التفاح ممكن تكون مطمع للطيور ، و احتمال تحتاج للتغطية ، بس لو فكَّرتِ تغطيها لازم تسيبي في الكيس مساحة للتهوية.

قاطعت والدة ( عبير) الطبيب و هي تستوضح تلك النقطة بشغف و هي تسأله :
إنتَ عمَّال تقول لنا يا دكتور محتاجة مساحة للتهوية ، بس ما شرحت لناش ليه؟ ليه بتحتاج تهوية؟

أجاب الطبيب و يرتسم على وجهه ابتسامة تُحاول طمأنة الأم و ( عبير) كذلك و بدا عليهما الاهتمام و هما يتابعان كلام الطبيب :
صحيح إن الثمرة بتاخد تغذيتها من الشجرة زي ما الشعر بياخد تغذيته من الجسم ، لكن دا ما يمنعش إن الثمرة محتاجة تاخد جزء من ضوء الشمس علشان هي خلية حية.

سألت ( عبير) الطبيب باهتمام بالغ و هي تستحثه في طلب لأن تعرف بقية القصة و المُشاهدة العلمية :
طب و إيه اللي بيحصل يا دكتور؟ أصل أنا مربية شجرة ليمون في البلكونة ؛ إنَّما التفاح ما جرَّبتش قبل كدا.

بدأ الطبيب يشرح و لم تفارق وجهه الابتسامة و ينظر إلى عيني والدة ( عبير) ثم إلى عيني ( عبير) قائلاً :
الثمرة لو مش بتتنفس و تاخد ضوء الشمس الطبيعي بتقع صغيرة و تحمَّر إنَّما الحقيقة إن الاحمرار دا مش نضوج.

تسلَّلت الحدة إلى لهجة والدة ( عبير) و هي تسأل الطبيب :
إيه دليلك إن دا مش نضوج؟

أجاب الطبيب بابتسامة رقيقة و هو ينهي كلامه و تنهد في نهايته تنهيدة المرتاح :
إن حضرتك لما تجي تاكليها بتلاقيها مُرَّة جداً.

قامت والدة ( عبير) فجأة و هي تقول ل ( عبير) باستنهاض لهمتها بعدما أحست أن كلام الطبيب سحرها :
ياللا بنا يا بنتي ، أنا قلت لك إنك ممكن تكوني مش محتاجة لدكتور و مش عارفين هنوصَّل الكلام دا لأبوكِ إزاي؟!

تنهَّد الطبيب تنهيدة حارة أخرج بها ما بصدره و استقبل كلام الأم بترحاب و سعة صدر و هو يذكِّرها بما قاله في بداية حواره معهما و هو يقول ببساطة و ابتسامة :
على العموم يا حاجَّة ، أنا كلامي خلص و أشكرك على وقتك اللي سمعتيني فيه و أنا قلت لك من البداية" لو مش عاجبك كلامي ممكن ترميه من الشباك" ، لكن أنا قلت الكلام اللي يريَّح ضميري.

همَّت ( عبير) و والدتها بالانصراف.

***








No comments:

Post a Comment