Thursday, September 29, 2011

الدفاع عن فكرة مسبقة في تفاسير القرآن.

إنَّ المتأمل في القرآن الكريم يجد بعض الآيات التي حاول المفسرون من خلالها الدفاع عن أفكار مسبقة ، لم تكن لها علاقة بالنص اللغوي للآية ، فعلى سبيل المثال نجد :

1) قول الله عن سيدنا ( سليمان) ، بسم الله الرحمن الرحيم ( إذ عُرض عليه بالعشي الصافنات الجياد * فقال إني أحببتُ حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب * قال ردوها عليَّ فطفق مسحاً بالسوق و الأعناق) صدق الله العظيم . سورة ص الآيات 31-33


و قد تطوَّع المفسر بتقدير أنَّ التي توارت بالحجاب هي الشمس ، و أنَّه فاتته صلاة العصر - إن كانت معروفة على أيامه- و أنَّ المغرب قد حلَّ عليه.
مشكلة هذا التفسير أنَّه لم يقدِّر أنَّ الآية السابقة تتحدث عن الصافنات الجياد،و كذلك لفظ " بالعشي" الذي يوحي بوقت اختفاء الضوء ومنها " صلاة العِشاء" ، و لو افترضنا صحة ذلك التقدير ، لكان قول سيدنا (سليمان) ردوها عليَّ ، تعود " ها" على الشمس، فطفق أي "بدأ" ، مسحاً توحي بالرفق ، لكنَّك تجد بعض المتشددين يقول " ضرباً لأنَّها منعته الصلاة" ، لكنَّ المُنصفين قالوا " بل حباً و رعاية".


2) قول الله سبحانه و تعالى عن كلب أهل الكهف ، بسم الله الرحمن الرحيم ( و كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) صدق الله العظيم سورة الكهف الآية 18 .



 و قد تطوَّع المفسر أن يقول لنا عن الوصيد أنَّه فناء الكهف دفاعاً عن الحديث المشكوك في صحته ، كما سنبيِّن منطقياً ، لأنَّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب أو صورة ، في حين قال المنصفون " الوصيد باب الكهف و كذلك الأصيد" ، و حجتهم لغوية لأنَّه يُوصد أي يُغلَق و معنى امتداد ذراعي الكلب ، اللذين هما في مقدمة جسمه ، عند الباب أنَّ جسمه بالداخل و ليس بالخارج ، و لن يكون سؤالنا لمن يردِّد ذلك : أين رأى الرسول عليه الصلاة و السلام الملائكة ؟ ليحكم بهذه القاعدة ؛ لأنَّ الرد البديهي سيكون أنَّ الله أخبره بذلك .

سؤالنا سيكون :ما هو سر التخبط في أحاديث أبي هريرة ، فبعد أن اعتبر الكلاب من النجاسة عاد ليخبرنا إلا للحراسة ثم الصيد؟ لماذا لم ترد أحاديث الكلاب إلا عن راوٍ واحد؟ بالإضافة إلى الحديث الفقير من ناحية اللغة " عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه و سلَّم أمر بقتل الكلاب"، و يمكن معارضة ذلك بقول الله سبحانه و تعالى ، 
 بسم الله الرحمن الرحيم ( و من الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا و يُشهد الله على ما في قلبه و هو ألد الخصام * و إذا تولى سعى في الأرض ليُفسد فيها و يُهلِك الحرث و النسل و الله لا يحب الفساد * و إذا قيل له اتقِ الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم و لبئس المهاد) صدق الله العظيم، سورة البقرة الآيات 204-206.
الحرث هو كل إنتاج نباتي ، و النسل هو كل إنتاج حيواني أو إنساني.

3) قول الله سبحانه و تعالى ، بسم الله الرحمن الرحيم ( يا أيها النبي قل لأزواجك و بناتك و نساء المؤمنين يُدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذين و كان الله غفوراً رحيماً) صدق الله العظيم سورة الأحزاب الآية 59 .



 و قد تطوَّع المفسر أن يُخبرنا بأنَّ النقاب واجب من خلال " يُدنين عليهن من جلابيبهن : يُغطين بها وجوههن " ، لكن ردَّ الإمام المحدث ( محمد بن عبد الرحمن الأباني) على من يقول ذلك بأنَّه لم يتحرَّ الدليل اللغوي ، فالإدناء في اللغة بمعنى الاقتراب و قد يكون الانتقال من أعلى إلى أسفل أو العكس ، و في الأغلب من أعلى إلى أسفل و دلَّل بقول الله ، بسم الله الرحمن الرحيم ( في جنة عالية * قطوفها دانية) صدق الله العظيم سورة الحاقة الآيات 22-23 ، أمَّا عن الجلباب فقد قال إنَّه يغطي البدن و ليس الرأس و على ذلك عموم كتب اللغة.

هل الحجاب كغطاء للشعر فريضة؟ إجابة هذا السؤال متروكة للقارئ ، كل ما علينا هو استعراض الأدلة و التعليق عليها ، كما أوردنا دفاع( الألباني) عن الأصل اللغوي ، نقول إنَّ البعض يقول بحديث " يا أسماءُ إذا بلغت المرأة المحيض فلا يظهر منها إلا هذا و هذا" و قال الشارح أي الوجه و الكفين ، و قد طعن علماء السعودية في سند هذا الحديث ، بسبب أنَّ أحد رواة الحديث لم يلحق أم المؤمنين (عائشة) رضي الله عنها ، و السند هو حجة تضعيف أي حديث عند هؤلاء العلماء دون النظر إلى متنه ، ضعَّف علماء السعودية هذا الحديث بالطعن في الرواة لمصلحة أحاديث النقاب ، التي وضَّح( الألباني) مقاصد الآية فيها كما ذكرنا.
أمَّا عن المتن ، فهذا حديث في لغويته مبهم ترك مساحة للشارح ، و لم يخرج به الرسول إلى عموم المسلمين.


هذا ليس طعناً في شخصية أي مفسر أو فقيه ، إنَّما هي محاولة لفهم الدين بشكل يبتعد بنا عن الهوس الديني ، فإن كان أحد هؤلاء العلماء، الذين كتبوا رأيهم و لم يجعلوه مُلزماً ، حياً بيننا الآن لتغيَّر فكره ، فقد كانت آخر هذه الأفكار عند القرن الرابع الهجري ، فلا داعي لتقديس آراء العلماء ، لابد أن ننظر إلى آراء العلماء على أنَّهم بشر و الله ولي التوفيق. 

No comments:

Post a Comment